ضبط النصوص المكتوبة بعلامات اصطلاحية وتجزئتها لتسهيل استيعاب معانيها، ويتبيّن مراد الكاتب من فصل ووصل وقف وابتداء واستفهام وتأثّر وغير ذلك من الأغراض الكلامية والنبرات الصوتية المصاحبة للكلام. عرف المسلمون الترفيد، إلاّ أنّه لم يكن كافيا، فقد رسموا النقطة على شكل دائرة مجوّفة توضع للفصل بين الأحاديث النبوية، وإذا كانت النسخة قد قُرئت على الشيخ أو عُورضت على نسخ أخرى، يضعون نقطة مصمتة داخل تلك الدائرة، وليبيّنوا موضع الانتهاء من المُعارضة أو المراجعة، وضعوا علامة (اه) دلالة على انتهاء النصّ المنقول، وإذا أرادوا نقل جزء من النصّ والإشارة إلى انتهائه وضعوا علامة (الخ) أي إلى آخره. كما ضمّ المصحف الشريف نظاما خاصّا بالترفيد، تمثّل في الوقف والابتداء، فقد تبيّن للمسلمين منذ بداية الوحي أنّ الدراية بالوقف شرط لازم لتلاوة القرآن على نحو سليم، فترتّب عن ذلك أنّهم كانوا يتعلّمون الوقوف كما يتعلّمون القرآن، ولضبط أحوال الوقف أوجد أهل الاختصاص ثمانية عشر رفادا خاصّة بالنصّ القرآني، جرى استعمالها قديما، ومازالت تستعمل إلى اليوم، من ذلك: حرف الميم (م) الذي يفيد الوقف اللازم، واللام ألف (لا) تفيد الوقف الممنوع، والجيم (ج) تفيد الوقف الجائز، إلى غير ذلك من الأرفدة التي تدلّ على الإظهار أو الإخفاء وعلى الوصل مع جواز الوقف، وعلى إظهار التنوين أو زيادة الحرف حين الوصل، إلخ.
أمّا الترفيد الحديث في غير النصوص القرآنية فهو من اصطلاحات الغربيين ظهر عندهم وتطوّر بظهور الطباعة وتطوّرها، وقد أدخله في الكتابة العربية العلامة أحمد زكي حين رآه عندهم مستعملا، وأنشأ في ذلك رسالة بطلب من وزارة التعليم المصرية، عُلوانها «الترقيم وعلاماته» وكان ذلك في سنة اثنتي عشرة بعد التسعمئة والألف من الميلاد، ثمّ أضيف إليه ما استجدّ من رموز وإشارات فيما بعد وعدّلوها بما يناسب اللغة العربية. وتُسمّى علامات الترفيد بالأرفدة جمع رِفاد، وهي علامات اصطلاحية ورموز مخصوصة تدرج في الكتابة، لفصل الجمل وتقسيمها، وبيان مواقع الوقف والفصل والابتداء، وغير ذلك من الأغراض الكلامية في أثناء القراءة، فتتيسّر بذلك عملية الإفهام من جانب الكاتب وعملية الفهم على القارئ وتتّضح الأفكار، لا سيّما أنّ الكتب في الوقت الحاضر تخلو من حركات الإعراب، لذلك تكون الأرفدة مُرْفِدة لمعاني النصوص ورافعة للبس والغموض، ومن أجل ذلك أيضا يؤدّي الخطأ في استعماله إلى الخطأ في المعنى، مثلما نجده في هذا المثال: «فألقى إليّ صحيفة فيها الكلام كلّه: اسم وفعل وحرف، والصواب: فألقى إليّ صحيفة فيها: الكلام كلّه اسم وفعل وحرف».
الترفيد في العربية مرتبط بقواعد الإملاء، ويقوم على فكرتين أساسيتين أو على مدرستين مختلفتين، الأولى: المدرسة الخطابية؛ والتي تعتبر الترفيد شاهدا على التنغيم وعلى مواضع الوقف ومدده؛ والثانية: المدرسة النحوية، وترى أنّ الترفيد له وظيفة تركيبية فصلية تنحصر أو تكاد في الإعراب عن العلاقات التركيبية القائمة بين مكوّنات النصّ، وهذا هو الشائع في العربية والكلزية، إلاّ أنّه في الروسية يضمّ زيادة على الفكرة الخطابية والفكرة التركيبية، فكرة أخرى، هي التوجّه المنطقي، إلاّ أنّ التوجه النحوي أو التركيبي هو الغالب فيها. المتتبّع لتاريخ الترفيد يدرك أنّ ضبطه من حيث ندرة علاماته أو غزارتها في النصّ مرتهن بعدّة عوامل من بينها مدى طول الجملة أو قصرها بصفة عامّة، فالنثر الفنّي الكلزي على سبيل المثال قد شهد تطوّرا مطّردا في طول الجملة، فما فتئت تتقلّص جملته على امتداد قرنين ونصف، لذلك لا مناص للمُرفِّد في كلّ كتابة من أن يأخذ في الحسبان تطوّر الجملة أنواعا وطولا وقصرا عبر العصور. يقول الربيز عبد الستّار بن محمد العوني: «يوجد تشابه نسبي بين الثقافات في أنّ كمّية العلامات في النصّ غير الأدبي تكون قليلة في صورة اعتماد التوجّه الخطابي للترفيد، وكبيرة حين اتّباع التوجّه التركيبي، يضاف إلى ذلك أنّ كثافة الأرفدة تتفاوت درجاتها بحسب نوع النصّ، فالرسالة الشخصية، والمقال الصحافي، والتقرير الصِّنْعي، أنواع من النصوص تُرفّد بطرق متباينة. لكنّ النصّ القانوني يتميّز بندرة الأرفدة في أغلب الكتابات، بينما تتميّز الرواية عادة بغزارة العلامات، وتتحلّى المسرحية بترفيد مؤسّس في كثير من الأحيان على الاعتبارات الشفوية وقفا وتنغيما وإيقاعا، إلخ... كمّية الأرفدة في النصّ الأدبي ذي الصبغة الإنشائية الخالصة لا تخضع لمقياس ضابط ولا لقاعدة ملزمة، بل الأمر موكول إلى حسن تدبير المؤلّف وإلى طاقة الإبداع، بالموازاة مع خصائص كلّ عصر من الأعصر الأسلوبية التي تعاقبت على اللغة».
يوجد في الترفيد نوعان؛ الترفيد الخفيف light punctuation وهو الذي لا يحتوي إلا على نقاط قليلة وعدد قليل من الفواصل، ولا يورد من الأرفدة إلاّ بالقدر الذي تُدرك به الإبانة ويتّضح به مقصد الكاتب، أي حين يقرّر الكاتب أنّ في ترفيده الكفاية لتحقيق هدف الجملة، مثلما نجده في مقدّمات برنارد شو التي يضعها لمسرحياته؛ ثمّ الترفيد الثقيل heavy punctuation، وهو الذي تغزر فيه الأرفدة حتّى تستوفي الكمال، مثلما نجده في نثر ت. س. إليوت الأدبي والسياسي، أو كتابات الكلزي هنري جيمس، فمن المحتمل ألاّ يفهمه قرّاؤه لولا كثرة الفواصل المندرجة في مصنّفاته، بينما اعتمد الأديب الأمريكي أرنست همنغواي في وضوح أسلوبه على النقطة وتجنّب الفواصل ما وجد إلى ذلك سبيلا. يقول الربيز عبد الستّار بن محمد العوني: «إنّ المتأمّل في مخزون الأدب العربي الحديث ينكشف له أنّ نصّ النثر الفنّي العربي المعاصر يتحلّى بترفيد طفيف في أكثر الحالات، مع تفاوت نسبي بين الأدباء في ندرة الأرفدة، الأمر الذي يوحي بأنّ الترفيد العربي قد يكون في حقيقته ضعيف الصلة بالتركيب، قليل الارتباط بالنحو».
إلاّ أنّ المنحى العام اليوم لدى أكثرية الأدباء والكتّاب في سائر اللغات هو الإقلال من علامات الترفيد قدر الإمكان، لا سيّما من أولئك الذين اشتهروا بأسلوب قائم على الجمل القصيرة. يقول الربيز عبد الستّار بن محمّد العوني: «لئن أمسى الترفيد المؤسّس على الاعتبارات التركيبية والنحوية والمتّسم بغزارة العلامات أوثق صلة بالكتابي منه بالشفوي فإنّه في حالة تراجع، لا سيّما وأنّ مسألة الترفيد في نظر أهل الذكر اليوم تدور في المقام الأوّل على الفهم والإفهام، أي أنّ الترفيد ليس تابعا للنحو وحده، ولا للتنفّس والتنغيم على حدة، بل هو مجال مشترك بين ذلك كلّه فضلا عن صلته بالمنطق صلةً جعلته خليقا بتحقيق العبور (عبور الفحوى) من الكاتب المبدع إلى جمهوره، فكأنّ الترفيد جسر بين عقلين، أو قل هو بمثابة سفير منتج النصّ لدى قرّائه». يقول جاك دريون: «إنّ الترفيد ليس قضية تركيب أو تنفّس بقدر ما هو نتيجة حتمية لشكل معيّن من أشكال التفكير، أمّا القاعدة الضابطة له فهي تلك التي تقتضيها الفكرة المعبّر عنها، بل إنّ الغاية المرتجاة منه تنبع من صميم التفكير ذاته»..