معجم المصطلحات الكبير
تَصاحُب لَفْظي
اللغة والأدب

التلازم أو الترافق الذي يحدث بين الكلمات بنحو انتقائي في التعبيرات، فإذا ما ذُكرت إحدى هذه الكلمات اُستدعيت الأخرى. أي أنّ الكلمة قد تأتي مصاحبة لأخرى، فتُعرف الواحدة بمصاحبتها، وتنبئ عنها، مثل ما نجده في أسماء أصوات الحيوانات التي تصدرها، فنقول: زئير الأسد، ونهيق الحمار، ورغاء الشاة، ومُواء القط، ونباح الكلب، وعُواء الذئب، إلى غير ذلك، أو كالتصاحب الذي يكون بين بعض الألوان، مثل: الأخضر للعشب، والأصفر للشاحب، أو تصاحب الكلمتين بحكم الألفة والعادة، مثل: الجنّة والنار، الدنيا والآخرة، الخير والشر، الموت والحياة، الرجل والمرأة، الليل والنهار، الصعود والهبوط، الحصان والسرج. وينظر إلى هذه الكلمات على أنّها عواجم (وحدات معجمية) مفردة، مستعملة بحكم العادة في تماسك بعضها مع بعض في لغة ما، أو هي تجمّع تركيبي تلازمت مفرداته، ثمّ تواتر استعمالها بحكم العادة والعُرْف. يستعين العلماء بالتصاحب بين الكلمات في تفسير إحداها بالتي تصاحبها، فنحن نقول على سبيل المثال: انصهر الحديد، والنحاس، والفلزّ، ولا نقول انصهر الجلد أو الورق أو القماش، ونقول: مات الرجل، ونفق الحمار، ولا نقول: نفق الرجل.

تُعدّ هذه الظاهرة اللغوية أمرا شائعا في اللغات كلّها، وتُسمّى بعض أنماطها عند البلاغيين العرب الأوائل: بالمشاكلة، والتطابق، والتناسب، ومراعاة النظير، والمزاوجة. ودرسها المحدثون باسم التصاحب اللفظي، والمصاحبة، والتلازم اللفظي، والمتلازمات اللفظية، والتوارد اللفظي، والاقتران، والنَّظْم، والانتظام، والعبارات المترابطة، وتوافق الوقوع. نشأت فكرة التصاحب في رحاب نظرية السياق، حيث يعود الفضل في اجتراح هذا المصطلح ونضوجه المعرفي إلى العالم اللغوي الكلزي «جون روبيرت فيرث»، فقد حدّدت هذه النظرية مجالات التصاحب، إذ إنّ لكلّ كلمة كلمات أخرى خاصّة تتزامل معها وتتصاحب في السياق، ثمّ جاء «بالمر»، فحدّد قيودها في ثلاث صور، هي: (1) قيود ترتكز على معنى المادّة، مثل قولنا: عين سوداء، فالمعنى مقبول، ويقرّه الواقع، بخلاف لو قلنا عين خَزْماء (بنفسجية)؛ (2) قيود ترتكز على الحقل الذي يجمع الكلمات ذات الملامح الدلالية المشتركة، مثل: الجمل والهودج، الليل والنهار، الحصان والسرج؛ (3) قيود مشدّدة ذات تصاحب محدود، مثل قولنا: سلّ سيفه، وليس فتح سيفه أو نشر سيفه.

يتنازع مصطلح التصاحب اللفظي، الدِّجامة والتركيب النحوي، فقال بعضهم: إن التصاحب دِجامي، وذلك لارتباطه بالدلالة على المستوى العَمَدي (الرأسي)، أي أنّ المفردات قابلة فيما بينها للاستبدال بصورة تداولية، وهذا الاستبدال قائم على العلاقات الدلالية داخل الحقل الدلالي، كالترادف والتقابل والمشترك وغيرها من الظواهر الدلالية، حيث يمكن القول إنّ عبارة «ضوء القمر» تواؤم دلالي قائم على الاشتمال، أدّى إلى التصاحب اللفظي بينهما، أمّا العلاقة العمدية فتكون من خلال استبدال الشمس بالقمر، فكلاهما من حقل دلالي واحد، وكذلك استبدال نور بضوء. وقال غيرهم: إنّ التصاحب نحوي، فقد رُبط تجمّعه التركيبي بالنحو على المستوى الأفقي، فهذا التجمّع لا يتحقّق إلاّ في ضوء النحو، فالفعل يستدعي فاعلا، والاسم يستدعي خبرا، وأي خرق لهذا النظام النحوي يُسمّى لحنا. أنماط التصاحب في علم اللغة النصّي عديدة، أهمّها ما أورده الأستاذ الربيز جاسم علي جاسم:

(1) التصاحب بالتنافر : وهو عدم التطابق بين الوحدات اللغوية، ويقع داخل الحقل الدلالي الواحد، فهو يشير إلى فئة من المفردات يؤدّي اختيار بعضها إلى استبعاد بعضها الآخر بالضرورة، مثل ذلك: طير وخروف، فهما متنافران فيما بينهما، وكذلك الخوف والجوع، الدهر والسنة؛

(2) التقابل : وهو تعاكس الدلالة، أي نأتي بكلمتين متضادّتين في الجملة الواحدة، مثال ذلك: حار وبارد، ليل ونهار، حي وميّت؛

(3) الترادف : كلّ حرفين أوقعتهما العرب على معنى واحد، أو هو التطابق في المعنى الأساسي دون الثانوي، ومن أمثلته: شرعة ومنهاجا، ضيّقا حرجا، السرّ والنجوى؛

(4) التضمين : علاقة تشتمل على معنى جزئي محدّد يندرج تحت معنى عام، ويسمّى كذلك الانضواء، أو علاقة الجزء بالكلّ، لكن، مصطلح التضمين أشيع، ومثاله كلمة: العِشاء تندرج تحتها كلمة الليل، والليل يتضمّنه اليوم، واليوم يتضمّنه الأسبوع، والأسبوع يتضمّنه الشهر، والشهر يتضمّنه الفصل، والفصل تتضمّنه السنة. الملاحظ أنّ كلّ الكلمات أصبحت غطاء إلاّ السنة، ويقرّ العلماء أنّ التضمين من أوسع العلاقات الدلالية وأكثرها شيوعا داخل الحقل، ومن أمثلة التصاحب فيه: ساعة من نهار، زلفا من الليل، آناء الليل.

(5) الاشتمال : ويسمّى بعلاقة العموم والخصوص، وهو أن تكون هناك مجموعة من الكلمات ليس لها كلمة غطاء، بل تكون شبكة العلاقات بينها مرتبطة بمعنى عام تندرج تحته معانٍ خاصّة، من ذلك، البغض عام والفَرْك خاص بين الزوجين؛ النظر عام، والشبم للبرق، والغسل عام، والقصارة للثوب؛

(6) الاتباع اللفظي : المزاوجة، وهو أن تأتي الكلمة المتصاحبة لكلمة أخرى على النسق اللفظي نفسه، لمجرّد المضارعة اللفظية إذ تحمل اللفظ على المجاورة، كقولهم: خائب لائب؛ رجل طب لب، عطشان نطشان؛ حيص بيص؛

(7) التلازم الذكري : وهو المعروف عند البلاغيين القدامى بمراعاة النظير، وهو أن تجمع في الكلام بين أمر وما يناسبه لا بالتضاد، لأنّ جميع العلاقات السابقة تقع داخل الحقل الدلالي بناءً على ارتباط دلالي واضح بين المتلازمين، إلاّ أنّ بعض المتصاحبات لا يمكن ربطها دلاليا في ضوء العلاقات الدلالية داخل الحقل، وإنّما هي مفردات إذا ذُكرت استدعت متصاحباتها من دون وجود رابط لها، إنّما تحكمها العادة والمنطق، والإطار العام الذي يحيط بها عند الجماعة اللغوية، فمثلا إذا ذُكر «الليل» استدعى المفردات التالية: السري، البيات، النوم، السهر؛ فكلّ مفردة من هذه المفردات تستدعي أخرى من دون قانون يحكمها، من أمثلة المتصاحبات فيه: كسفت الشمس، وخسف القمر، وخفض جناحه، وخفق قلبه، وجحر ضبّ، وعرين الأسد.

تعليق

اعترض الربيز عبد القادر الفاسي على إعمال المصطلح التراثي مطلقا، من خلال دعوته الصريحة إلى الابتعاد عن استعمال المصطلح المتوفّر القديم في مقابل المصطلح الوافد، لأنّ توظيف المصطلح القديم لنقل مفاهيم جديدة، من شأنه أن يُفسد علينا تمثّل المفاهيم الواردة والمفاهيم المحلّية على السواء، ولا يمكن إعادة تعريف المصطلح القديم وتخصيصه إذا كان مُوظَّفا.

مترادف

مُصاحبة لفظية

لغة كلزية

collocation
لغة فرنسية

collocation
مراجع

  • أبحاث في علم اللغة النصي وتحليل الخطاب. الأستاذ الربيز: جاسم علي جاسم. دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1438، 2017م. بيروت، لبنان.
  • المصاحبة المعجمية (المفهوم، الأنماط، والوظائف)، سلسلة الرسائل والدراسات الجامعية. لواء عبد الحسن عطية، دار الكتب العلمية، 2018م، بيروت، لبنان.