معجم المصطلحات الكبير
عَبْد الرزّاق بن حَمادوش
أشْتات مجتمعات

عالم من علماء الجزائر في القرن الثاني عشر، وهو عبد الرزاق بن محمد بن محمد بن حمادوش الجزائري العاصمي نسبة إلى الجزائر العاصمة التي وُلد فيها في شهر رجب عام 1107. أمّا تاريخ وفاته فقد بقي مجهولا، وكلّ ما تمّ معرفته في هذا الشأن أنّه كان ما يزال حيا حتى سنة 1168، وأنّه كان وقتها بمدينة الجزائر. ينتمي ابن حمادوش إلى أسرة فقيرة تعود إلى الأشراف من أبناء فاطمة رضي الله تعالى عنها، وقد أُنشئت لهم زاوية وأوقاف خاصّة، وكانت لهذه المؤسّسة إدارة ووكيل، كما كان لهم نقيب يحضر في المناسبات الكبيرة مثل تولية الولاّة، وقد اشتهرت أسرته بالعلم وبالمكانة الاجتماعية المرموقة، وبعمل الدباغة وإن كان هو لم يحترفها بل احترف التجارة التي لم ينل منها إلاّ الفقر، ومع علمه الغزير لم يتقلّد وظائف إدارية ولا مناصب دينية كالفتوى والقضاء والتدريس الرسمي، ولم يتقرّب إلى الولاّة والوزراء والسلاطين. أخذ العلم قراءة عن الشيوخ وليس عن طريق الإجازة والسماع كما يفعل بعض المعاصرين له، وقد كان ابن حمادوش كثير التنقّل والأسفار، زار بلاد المشرق المختلفة، تارة على ظهور الرواحل وتارة سيرا على القدمين، كما زار تونس والرباط (القطر)، وأخذ العلم في كلّ بلد حلّ به ممّن لقيهم من العلماء المشهورين، ومن شيوخه محمّد زيتونة من تونس ومحمّد بن ميمون من الجزائر، ومحمّد بن عبد السلام البنّاني الفاسي وأحمد الورْززي وهما رباطيان، وممّا قرأه مطالعة العلوم الشرعية والتاريخ والمنطق والتصوّف والعلوم المحضة كالطب وعلم القنبلة وغيرها، وطالع كتب الأوروبيين الذين يسمّيهم النصارى، وكان كثير الولع بشراء الكتب ونسخها على الرغم من فقره. لم يتصدّر ابن حمادوش للتدريس الرسمي، إلاّ أنّه قد انتصب للتدريس من نفسه، ومن تلاميذه في الرباط عبد الله جنان الأديب الساخر، وقاضي قسنطينة محمد الحنفي في الجزائر.

كانت الأحوال الاقتصادية تنعكس على مزاج عبد الرزاق وعلاقته العائلية والاجتماعية العامّة وكثيرا ما سافر للتجارة، فإذا كسدت تجارته وضاع ماله خرجت عنه زوجه وعيّرته أمّه، وقد يحصل أن يختن بعض أولاده دون علم أهله حتى يتفادى إقامة وليمة، وإذا باع سلعته وتوفّر لديه المال سعد حالا وطاب نفسا ومقاما، وأقدم على التأليف وشراء الكتب وعادت إليه زوجه وفرحت به أمّه، وكان له دكّان قريبا من الجامع الكبير يبيع فيه بضاعته ويقرأ وينسخ كتبه ويجلس فيه للزوّار من الطلبة والسائلين في الشؤون العلمية.

كان ابن حمادوش متقدّما على قومه معاصرا لعهد الاستنارة في أوروبا فقد كان أقرب في تفكيره واهتماماته إلى العلماء الأوروبيين الناهضين، إلاّ أنّه جاء بعد ظلام دامس أصاب الحضارة الإسلامية، لذلك اعتبره بعض الباحثين (لوسيان ليكليرك) من أواخر الممثّلين للطب العربي ولعلّ الصواب للفكر العربي. وقد نظّم ابن حمادوش الشعر وكتب المقامة وقيّد رحلاته، وألّف في الطب والفلك والهندسة وعلوم البحار، وكان يكتب بسلاسة وتتابع وطريقة مباشرة تكاد تكون علمية لدقته، ولم يستعمل السجع والمحسّنات البديعية على الرغم من شيوعها عند معاصريه إلاّ في مقامته. وتتمتّع رحلاته بقيمة نادرة على اعتبار أنّها جزء من التراث العربي الإسلامي للجزائر، ومصدر لمعرفة الأحوال الاجتماعية والثقافية والسياسية في عصره، ومن مؤلّفاته «كشف الرموز» وهو كتاب مطبوع طبعه السيد أحمد بن مراد التركي المعروف برودوسي، وهو في الواقع كتابه الرابع من مؤلّفه الكبير في الطب الذي سمّاه «الجوهر المكنون في بحر القانون» وهذه الأجزاء الثلاثة غير موجودة اليوم، وكشف الرموز معجم طبّي سار فيه ابن حمادوش على طريقة المعاجم الأبتثية وضمّنه بعد مدخل في أنواع وأوصاف الأدوية، أسماء النباتات والعقاقير والحيوانات والمعادن، وقد أشاد دارسو هذا المعجم (ليكليرك وكولان) بأصالة فكر ابن حمادوش حيث لم يستند إلى الخرافات في عمله، وأنّ فيه إضافات جديدة في المواد الطبيّة التي لا علاقة لها بالأدوية الأوروبية، وفيه ذكر أدوية أوروبية أصبحت شائعة في الجزائر.

وله كتاب آخر في الطب أسماه «تعديل المزاج» وهو في الشِيرياء (طبّ الأجهزة التناسلية)، عالج فيه الأعضاء التناسلية ووظائفها وأمراضها وعلاجاتها، ألّفه في مدينة رشيد بمصر سنة 1161. ولابن حمادوش المقامة الهركلية، وكتاب «فتح المجيب في علم التكعيب» ألّفه حسب قوله بعد اطلاعه على كتاب للنصارى في المساحة والهندسة وانتهى منه سنة 1160، وله تأليف في علم القنبلة، وكتاب «السانح في حواشي المتن والشارح» حاشية على ألفية ابن مالك، وتأليف في الطاعون (نسبه إليه ليكليرك)، ومن هذه المؤلّفات نعرف مدى اهتمام ابن حمادوش بالعلوم الطبية والهندسية، وقد ذكر في رحلته أنه ختم صحيح البخاري عدة مرّات، ولكن لا يوجد له تأليف في الحديث أو الفقه، كما لا يوجد له عمل تاريخي حول حادثة هامّة أو مدينة معيّنة ولا عمل في التراجم أو في الأدب باستثناء ديوانه.

تعليق

من المقامة الهركلية.

«الحمد لله حادي الرحلة، إلى أن دخلت في بعض أسفاري هركلة، ودخلت بها في خان، كأنه من أبيات النيران أو كنائس الرهبان، بل لا شكّ أنّه من أبيات العصيان، فلذلك لا يسرّ به الناظر ولا ينشرح له الخاطر، فاختصصت منه بحجرة فكأنها نُقْرة في حِجْرِه، وكأنّي وقعت من السماء في حفرة، أو اتّبعت أفعوان فدخلت جحره، فغلقت بابي لأحفظ صبابي وأمن جنابي من شدّة أتعابي وكذلك كلّ أصحابي، حتّى مدّ الليل جناحه وأوقد السماء مصباحه، وهدأت الأصوات وصرنا كالأموات، وتوغّلت في حبائل النوم ولم أدر ما هناك من القوم، فلم يوقظني إلاّ جلبة الأصوات وتداعي القينات والتدافع بمنع وهات وبعض هاد وبعض عات، وإذا بجاري بيت بيت يُحاسب قينة على كيت وكيت، وهي تقول له فعلت كذا كذا فعله وتدفع أجر فعله، فو الذي سهّل علي السفاح ونصبني لكلّ من أراد النكاح لا برحت إلى الصباح على وجه وقاح وتدفع المهر بلا سماح. فقلت بُعْدا لهذا الجار ولا شكّ أنه بئس القرار، ولبئس الخان كأنه حان، وفيه يقال صاحبه قرنان ولا ينطق اللسان، فهذا العنوان فإنّه من السبّ العام، ويبلغ به الكرام. ثمّ رجعت إلى هجعتي وتجاوزت عن وجعتي وأيقنت أنّه ليس هناك نجعتي، ولكن لا أعود في رجعتي، ولم أدر ما ذاك المجاور لبيتي ولا ما وقع في تلك اللتيا والتي. فلمّا ظهر لواء الترك العجم على جيش النجاشي أمحم، شددت الرحال وتهيأت للترحال، وأمتطيت مطيتي وأخذت في طيتي متوكلا على الرحمن أن أبلغ المأمن بالأمان».

مراجع

  • الطبيب الرحّالة ابن حمادوش الجزائري، حياته وآثاره. الربيز: أبو القاسم سعد الله. ديوان المطبوعات الجامعية 1982، الجزائر.