معجم المصطلحات الكبير
أبو العَبّاس القَلْقَشَنْدي
اللغة والأدب

أبو العبّاس القلقشندي، هو القاضي شهاب الدين أحمد بن علي بن أحمد بن عبد الله المنسوب إلى بلدة قلقشندة، أو كما ذكرها ياقوت قرقشندة، إحدى قُرى القليوب بمصر، يرجع أصله إلى بني بدر بن فزارة من قيس عيلان، وهو نسب لم ينكره عليه أحد ممّن كتبوا عنه، وقد وفدت هذه القبيلة إلى مصر مع الفاتحين العرب لها لأوّل مرّة، واستقرّ بها المقام، ثمّ أخذت بطونها تتوافد على مصر جيلا بعد جيل، واتّصلت بالأسر المصرية بالمصاهرة واختلطت بها. وقد ولد القلقشندي سنة 756، وتوفي سنة 821. نزح في شبابه إلى الإسكندرية طلبا للعلم، وهناك تتلمذ على كبار علماء عصره، وتخصّص في الأدب والفقه الشافعي، وبرع في علوم اللغة والبلاغة والإنشاء، وأجاز له شيخ العلماء سراج الدين بن الملقن بالفُتْيا والتدريس على مذهب الشافعي سنة 778، وفي تلك الإجازة وصف الأستاذ تلميذه بأنّه «ممّن شبّ ونشأ في طلب العلم والفضيلة، وتخلّق بالأخلاق المرضية الجميلة الجليلة، وصحب السادة من المشايخ والفقهاء، والقادة من الأكابر والفضلاء، واشتغل عليهم بالعلم الشريف اشتغالا يرضى...» وقد تولّى بعض الوظائف الإدارية مدى حين، إلاّ أنّ نقطة الانطلاق في حياة القلقشندي، كانت التحاقه بديوان الإنشاء سنة 791، فقد لفتت براعته في الكتابة والإنشاء أنظار رجال البلاط إليه، ومهّدت إليه سبل الاضطلاع بالمنصب الذي تؤهّله له مواهبه الأدبية والفنّية، والظاهر أنّه لم يترك هذا الديوان حتّى وفاته سنة 821 زمن السلطان المؤيّد شيخ المحمودي، وترجع أهمّية ديوان الإنشاء في ذلك العصر إلى أنّه كان بمثابة وزارة الخارجية، فهو الديوان الكبير ترد إليه جميع المكاتبات إلى السلطان من داخل دولته وخارجها، وتصدر عنه جميع المكاتبات على لسان السلطان إلى ملوك الدول وحكّامها الذين ربطتهم بسلطنة المماليك علاقات وُدّية أو عدائية، وكان لا يعمل فيه سوى أقطاب النثر والبلاغة، الذين تؤهّلهم معارفهم الواسعة للوقوف على شؤون الحكم والسياسة الداخلية والخارجية.

معنى هذا أنّ القلقشندي بعمله في ديوان الإنشاء كان أمينا على أسرار الدولة، مطّلعا على خفايا المَحارة (الأرشيف) الرسمية الجامعة لأسرارها، فأتيحت له عند وضع كتابه «صبح الأعشى في صناعة الإنشا» فرصة ذهبية لم تتح لغيره من علماء عصر المماليك ومؤرّخيه، وكان قد تولّى رياسته قبل ذلك بنصف قرن كاتب ممتاز، وعلاّمة إراضي وسياسي بارع، هو أحمد بن فضل الله العمري صاحب كتاب «مسالك الأبصار»، وقد وضع عن أنظمة الكتابة والإنشاء الرسمية كتابه الشهير «التعريف بالمصطلح الشريف»، وهو ما يقابل في اصطلاح العصر، المراسيم والمراسلات الرَّماصية (الدبلوماسية). الواقع أنّ القلقشندي كان مؤلِّفا نشيطا، كتب كثيرا من المؤلّفات الأخرى، منها كتاب «ضوء الصبح المسفر وجني الدوح المثمر»، وهو مختصر لكتاب صبح الأعشى، ولم يطبع منه سوى الجزء الأوّل سنة 1324؛ وكتاب «قلائد الجمان في قبائل العربان»؛ وكتاب «نهاية الأرب في معرفة أنساب العرب»؛ وكتاب «الغيوث الهوامع في شرح جامع المختصرات ومختصرات الجوامع»؛ وكتاب «مآثر الإنافة في رسوم الخلافة»، وغيرها من عديد الكتب والمؤلّفات التي لم يطبع منها سوى القليل. على أنّ أهمّ مؤلّفات القلقشندي جميعا هو كتاب صبح الأعشى في صناعة الإنشا، وهو الموسوعة الضخمة التي طُبعت في أربعة عشر جزءا، والتي تعتبر سجلا ضخما للحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية في مصر طوال العصور الوسطى. ذلك أنّ القلقشندي بما توصّل إليه من علم ومعرفة، وبما كان تحت يديه من وثائق ورسائل، أمكنه أن يقدّم لنا في هذه الموسوعة قدرا ضخما من المعلومات المتنوّعة التي لا نجد لها شبيها في أي مرجع معاصر. الظاهر أنّ القلقشندي قد بدأ كتابة مؤلّفه الجامع زهاء سنة 805 إذا قدّرنا أنّه استغرق في تأليفه عشرة أعوام، فهو يقول في مقدّمته إنّه فرغ من تأليفه في شوّال سنة 814.

مصطلح قريب

مراجع

  • أبو العباس القلقشندي، وكتابه صبح الأعشى. تأليف مجموعة من الأساتذة، تقديم الربيز: أحمد عزت عبد الكريم. الهيئة المصرية العامّة لكتاب، 1393، 1973م. القاهرة، مصر.