معجم المصطلحات الكبير
حِشاءة
الثقافة والإناسة

الحِشاءة، ممارسة قديمة لمعرفة الغيب وتوقّع أحداث المستقبل من خلال فحص أحشاء الحيوانات المضحّى بها من أغنام ودواجن، لا سيّما الكبد. كان القدماء يعتقدون أنّ شكل أعضاء الحيوان الضحيّة وحجمها وتكوينها ولونها وبعض العلامات المميّزة عليها تحمل دلالات ومعلومات حول الأحداث المستقبلية وإرادة الآلهة. ويُسمّى الكاهن الذي يدّعي معرفته بالغيب واكتشاف أحداث المستقبل من خلال فحص أحشاء الأضاحي بالحَشّاء، وقد كان يتمتّع بمركز اجتماعي وديني مرموق في العديد من الحضارات القديمة، ويعتبر خبيرا في تفسير العلامات التي يجدها في أحشاء الحيوانات، فالحِشاءة وسيلة للتواصل مع العالم الروحي ومعرفة إرادة الآلهة، وعلى أساساها تُتّخذ القرارات المهمّة، مثل الدخول في الحرب أو إبرام المعاهدات، أو بناء المدن وتشييد المعابد. كما كانت توفّر نوعا من الراحة النفسية للشعوب، إذ تساعدهم على فهم الأحداث الغامضة أو توقّع ما تأتي به الأيّام في المستقبل. مورست الحِشاءة في العديد من الحضارات القديمة، بما في ذلك، الحضارة الأترورية التي اُعتبرت من أوائل الحضارات التي اعتمدتها بشكل منهجي. ثمّ استعار الرومان هذه الممارسة من الأُتْرور وجعلوها أداة من أدوات الحكم، وكان للحشّائين دور مهم في الحياة الدينية والسياسية الرومانية. كما مارست العديد من الحضارات القديمة، مثل الحضارة المصرية والبابلية، أشكالا مختلفة من العرافة من خلال فحص الأحشاء أو أجزاء أخرى من الحيوانات، كالكبد أو العظام أو لوح الكتف، أو المثانة أو الكلى، أو المعدة أو الطحال، أو الأصداف، أو زجر الطير المعروف باسم الطَّيْرة، ويحدّثنا القرآن الكريم أنّ شعوبا حدّدت مواقفها من أنبيائها من خلال التطيّر، ففي سورة يس، قوله تعالى: «قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم، قالوا طائركم معكم أإن ذكرتم بل أنتم قوم مسرفون» (يس، 18- 19)، أو كما حكى الله تعالى عن قوم فرعون: «وإن تصبهم سيئة يطّيروا بموسى ومن معه» (الأعراف، 131).

تعليق

تأثيل haruspicy يقوم على قاعدة التلتّب وقاعدة الإبدال الحرفي، إذ يعتبر الحرف «h» مزيد زيادة قياسية، لذلك يسقط من التأثيل، بينما يُبدل الحرف «r» من الحرف «l»، والحرف «p» من الحرف «m»، لذلك تكون الجذيلة التي هي الصيغة الأصلية للكلمة h-al umic-y أي al umic، ومعناها في العربية «العميق» أي الغامض المبهم الذي يحتاج إلى تأويل وتفسير. نجد هذه الأثيلة نفسها من دون أداة التعريف في كلمة Ambigu الفرنسية التي تعني غامض، مبهم، مُلتبس، صيغتها الأصلية amig أي «عميق». العلاقة التي يمكن أن تجمع بين الحِشاءة haruspicy والعمق تتعلّق بالمعاني الرمزية والفلسفية التي تحملها هذه الممارسة القديمة، والتي كانت تُعتبر شكلا من أشكال استكشاف الغوامض والمجهول. تُحيل هذه العملية إلى فكرة الغوص في أعماق الجسم، إذ تُعتبر الأحشاء أعضاء داخلية ومخفية تحمل رمزية الغموض والعمق في آن واحد. كلمة «عميق» لها في العربية معانٍ متعدّدة منها الغموض والصعوبة في الفهم، وهي معانٍ قريبة جدّا من كلمة ambiguous الفرنسية أو الكلزية، التي تعني الغموض والالتباس، وما يدعّم هذا التأثيل أكثر أنّ كلمة ambiguous نفسها أصلها عميق am(b)ig-uous أي amig، فالحواثة تُحاول إذن فكّ رموز الإشارات أو العلامات الغامضة والعميقة التي تحملها الأكباد، بمعنى الربط بين فكرة العمق كصعوبة إدراك وبين الغموض. يمكن أن تُفهم الحِشاءة على أنّها محاولة «للقراءة في العمق»، سواء كان العمق حرفيا في الأعضاء، أو مجازيا في محاولة فهم معاني غير واضحة. تتطلّب الحشاءة «الغوص» في ما هو غير مرئي أو غير مفهوم على السطح. هذا الغوص يشبه ما نفعله عند محاولة فهم أمر عميق أو غامض. كما أنّ العمق مرتبط بالتأويل، فإن الأحشاء كانت تُعتبر مكانا يحتفظ بأسرار الأقدار بحسب المعتقدات القديمة.

الظاهر أنّ الفرق بين المصطلح haruspicy وبين المصطلح extispicy في اللغة الكَلَزية متعلّق إلى حدّ كبير بالسياق التاريخي والثقافي، فالمصطلح الأخير، يعبّر عن ممارسة عامّة وشاملة لفحص الأحشاء، وهو مصطلح أكثر حيادية ويُستعمل للإشارة إلى هذا النوع من العِرافة بغضّ النظر عن الثقافة أو الفترة الزمنية. بينما مصطلح haruspicy يضع هذه الممارسة في سياقها الروماني أو الأتروري، إذ ارتبط بعرّافين رسميين متخصّصين haruspices تستخدمهم السلطة كأداة من أدوات الحكم، فقد كانوا جزءا من نظام سياسي وديني أكثر تنظيما.

مصطلح قريب

لغة كلزية

haruspicy
extispicy
لغة فرنسية

haruspicine
extispicine
مراجع

  • en.wikipedia.org/wiki/Haruspex
  • mediterranees.net/civilisation/Rich/Articles/Religion/Pretres/Haruspex.html