وُلد الحافظ عثمان في استنبول سنة 1052، حفظ القرآن في حداثة سنّه فسُمّي بالحافظ، وأبوه هو علي أفندي مؤذّن جامع خاصّيكي، اتّصل بالوزير مصطفى باشا الشهير بكبريلي زاده فأظلّه برعايته زمنا، وحبّب إليه من صغره تجويد الخطّ، فتعلّم الأقلام الستّة على الشيخ درويش علي غير أنّ الشيخ كان قد بلغ عمرا كبيرا فلم يستطع أن ينشغل به فأرسله إلى صيولجي زاده مصطفى الأيوبي (توفي سنة 1097) فكان أبرز طلاّبه، واستطاع أن ينال منه إجازة وهو في الثامنة عشر من عمره. ثمّ توجّه إلى نفسْ زاده إسماعيل أفندي (توفي سنة 1090) فأخذ عنه طريقة الشيخ حمد الله بكلّ دقائقها، وابتداء من عام 1090 تخلّى الحافظ عثمان عن طريقة الشيخ حمد الله وشرع يكتب على منهاجه وأسلوبه الذي برز به وتفرّد في إتقانه لدرجة أنهى أسلوب الشيخ حمد الله وبدأ به عهد جديد في الخطاطة. وقد عاش الحافظ عثمان ألمع مراحله الفنية في العشرين سنة الأخيرة من عمره (1090-1110). أُصيب في آخر عمره بالفالج وشفي منه وبعد ثلاث سنوات من ذلك توفي في التاسع والعشرين من جمادى الأولى سنة 1110 ودُفن في حديقة تكية سنبل أفندي في حي قوجه مصطفى باشا في استنبول، وكتب شاهد قبره إسماعيل أفندي، ويُروى أنه لم يتمّ كتابة آخر مصاحفه وأنّه لمّا بلغ الآية الكريمة: أرسله معنا غدا يرتع ويلعب وإنّا له لحافظون. من سورة يوسف، سمع أذان صلاة العشاء فقام يُصلّي حتّى إذا كان في إحدى سجداته توفي رحمه الله.
يُعتبر الحافظ عثمان أحد النبغاء المجوّدين البارعين في كتابة المصاحف وفي خطّ النسخ حتّى سُمي من أجل ذلك «بأستاذ الكل»، لُقّب بالشيخ الثاني بعد حمد الله الأماسي وبالشيخ الثالث بعد الدرويش علي، كان دائم الكتابة في جميع الأوقات حتى وهو بلباس الإحرام وله قطع تسويد كتبها في محطّات السفر التي نزل عليها أثناء طريقه إلى الحج، ويُروى عنه قوله: لو عُرضت علي الخطوط المختلفة التي أكتبها في بحر الأسبوع لعرفت من بينها خطوط يوم السبت، لأنّها تكون أقلّ مرونة من خطوط بقية الأيّام بسبب توقّفي عن الكتابة يوم الجمعة، ويقول عنه آغا قبولي إسماعيل: «نحن نعرف الخطّ، لكنّ حافظا ينجزه» وعندما تُوفّي وُجِد في محفظته عدّة كتابات من خطّ حافظ. كتب خمسة وعشرين مصحفا وحسب بعض الروايات فإن المصاحف التي كتبها بلغت سبعة ومئة، وقد طُبعت بعض مصاحفه في القرن الرابع عشر الهجري ووزّعت في مختلف بلدان العالم الإسلامي فذاعت شهرته بذلك وأُطلق على هذه المصاحف اسم «المصاحف العثمانية» نسبة إليه، وقد خصّص يوم الأحد لتعليم الخط للفقراء مجانا، ويوم الأربعاء لتعليم الأغنياء، واُختير لتعليم أصول الخطاطة للسلطان مصطفى الثاني وللسلطان أحمد الثالث، وكان يجلس للتدريس وهو محرم، وكأنّه يقوم بفريضة الحجّ تقديرا لعمله، ولقد تخلّف أحد تلاميذه عن الدرس، ثمّ لقيه في الطريق، وسأله عن غيابه فأجاب بأنّ غيابه لعذر شرعي، فما كان من أستاذه إلاّ أن نزل عن مركوبه ودرّسه في الطريق، كما كان أوّل من كتب الحلية النبوية على شكل لاحة يُمكن تعليقها على الجدران.