يُعدّ إيجاد نموذج تفسيري مقنع يجمع بين درجات مناسبة من الإرادة الحرّة والعلاقة السببية إشكالا متكرّرا في علم الاجتماع. وقد استعمل عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر Max Weber مصطلح التآلف الانتقائي لوصف الروابط بين العقائد الجديدة التي طرحها المصلحون البروتستانت، (الأخلاق البروتستانتية) وبين المواقف تجاه العمل وتراكم رأس المال والإنفاق والاستثمار (روح الرأسمالية)، لم يكن الهدف من العقائد الأولى التسبّب في النتائج الثانية، كما أنّ السجل التاريخي لا يكشف إلّا عن قلّة نادرة من الأشخاص الذين ربطوا صراحة بين الأمرين في حياتهم الخاصّة. وليس هذا بمستغرب، إذ إنّ التحوّلات الثقافية الكبرى والبطيئة غالبا ما تبقى غامضة بالنسبة لأولئك الذين يعيشونها. ومع ذلك، كان فيبر مقتنعا بوجود صلة موضوعية، واستعمل مفهوم التآلف الانتقائي ليشير إلى أنّ المنظومات الفكرية والافتراضات (أو على نحو أدقّ الأفراد الذين يلتزمون بها) تتناسب بدرجات متفاوتة فيما بينها. وعلى الرغم من أنّ المصطلح لا يُستعمل على نطاق واسع، إلّا أنّ قيمته تكمن في أنّ لفظة انتقائي تذكّرنا بعنصر الاختيار في الحياة الاجتماعية.
✦ يحاول علم الاجتماع دائما أن يفسّر الظواهر الاجتماعية: لماذا تظهر، وكيف تتطوّر، وما العوامل التي تؤثّر فيها. لكن المشكلة الكبرى التي تواجهه أنّه يجب أن يوازن بين دور الإرادة البشرية الحرّة (الاختيار، القرارات، المبادرات الفردية والجماعية) وبين دور العوامل السببية (البيئة الاجتماعية، الاقتصادية، الثقافية، التاريخية التي تفرض شروطها). إذا ركّز التفسير فقط على السببية causation، صار الإنسان مجرّد كائن محكوم بالظروف الخارجية، كأنّه آلة تتحرّك حسب شروط البيئة؛ وإذا ركّز فقط على الإرادة الحرّة free will، صار التفسير يغفل عن تأثير البِنى الاجتماعية والاقتصادية العميقة التي تحدّ من حرّية الفعل. لذلك، ما يُسمى إيجاد نموذج تفسيري يجمع بين الاثنين يعني: محاولة بناء تفسير علمي للظواهر الاجتماعية يعترف بأنّ الناس يملكون حرّية في الاختيار، لكن ضمن شروط وقيود تفرضها البِنى الاجتماعية والاقتصادية. ماكس فيبر استعمل مصطلح التآلف الانتقائي ليعبّر عن هذا التوازن: الأفكار والعقائد الدينية (التي يختار الناس الالتزام بها بحرّية) تلاقت مع ظروف اقتصادية واجتماعية معيّنة، فنتج عنها ما نعرفه اليوم بروح الرأسمالية. بعبارة مبسطة: العلاقة بين الحرّية والسببية تشبه لعبة شدّ الحبل؛ الإنسان يختار ويقرّر، لكن الحبل دائما مشدود من طرف آخر اسمه المجتمع والتاريخ والاقتصاد. شدّ الحبل هنا لا ينتهي بانتصار طرف على الآخر، بل باستمرار التوتّر الخلّاق بين الحرّية والسببية. ولو غاب أحد الطرفين لاختلّت اللعبة؛ فإذا تصوّرنا حرّية بلا أسباب ولا قيود صار الإنسان في وهم فرداني مطلق لا علاقة له بالواقع، وإذا تصوّرنا سببية بلا حرّية اختُزل الإنسان إلى آلة محكومة بظروف خارجية لا خيار له فيها. جوهر التحليل الاجتماعي إذن هو إدراك هذا التوازن المتأرجح، إذ تتجلّى قرارات البشر كأفعال حرّة من جهة، لكنّها متداخلة مع سلاسل سببية ممتّدة من جهة أخرى.
✦ في الفكر الإراضي التقليدي كثيرا ما طُرح مفهوم الحتمية الإراضية، الذي يرى أنّ طبيعة الأرض والمناخ والموارد هي التي تحدّد سلوك الإنسان وتوجّه مسارات الحضارة. وقد ظهر هذا التصوّر بقوة عند فريدريك راتزل Friedrich Ratzel ومن تبعه، إذ اعتبروا أنّ الإنسان أشبه ما يكون أسيرا للشروط البيئية التي تحيط به، وأنّ إمكاناته التاريخية لا تتجاوز ما تسمح به تلك البيئة. وفي مقابل هذا المنحى ظهر اتجاه آخر عُرف بالعَسَوِيّة possibilism عند بول فيدال دو لا بلاش Paul Vidal de la Blache، إذ أكّد أنّ البيئة تمنح الإنسان إمكانات وليس حلولا نهائية، وأنّ الفعالية الحقيقية تكمن في قدرة المجتمعات على الاختيار الحرّ بين هذه الإمكانات وتحويلها إلى أنماط حياة وحضارة. هذا الجدل ذاته نجده يتكرّر في علم الاجتماع، لكن بصيغة أخرى. فالمجتمع والتاريخ والاقتصاد يُنظر إليها باعتبارها عوامل سببية تضع إطارا وتحدّد مسارات ممكنة للفعل الإنساني، وهو ما يشبه الحتمية الإراضية من حيث كونها بِنْية موضوعية مسبقة. غير أنّ هذه العوامل لا تفسّر وحدها التحوّل الاجتماعي أو نشوء أنماط جديدة من التنظيم الاقتصادي والسياسي. هنا يظهر دور الإرادة الحرّة التي يمارسها الأفراد والجماعات في اتخاذ خيارات بعينها داخل هذه البنية. فكما لاحظ ماكس فيبر، فإنّ الظواهر الاقتصادية الكبرى كالرأسمالية لم تتأسّس لمجرّد توفّر الشروط الموضوعية (التجارة، الأسواق، الموارد...)، بل لأنّ جماعات بشرية تبنّت اختيارات أخلاقية ودينية جديدة أعادت توجيه تلك الشروط نحو مسار محدّد. بهذا المعنى يمكن القول إنّ التوازي بين المجالين واضح:
- • في الإراضة : الطبيعة توفّر الإمكانات؛ والإنسان يختار؛
- • في علم الاجتماع : العوامل السببية توفّر البنية؛ والإرادة الحرة تمنح الفعالية
إذن، سواء في علاقة الإنسان بالطبيعة أو في علاقته بالمجتمع والتاريخ، يظلّ السؤال قائما حول النسبة بين ما هو مَنُول (معطى) موضوعي وما هو اختيار حرّ. والجواب ليس أحاديا، بل هو أشبه بلعبة شدّ الحبل: طرف يمثّل الحتمية والبِنْية، وطرف يمثّل الحرّية والإبداع البشري. ومن توازن هذا الشدّ يتكوّن تاريخ الإنسان وحضاراته.
- The Sage Dictionary of Sociology Steve Bruce and Steven Yearley. SAGE Publications, 2006. London