تقوم البِنْية العميقة للفكر الغربي الحديث على منظومة معرفية شاملة يمكن تسميتها بالفلسفة الطبيعيّة–التاريخية للإنسان، وهي رؤية تسعى إلى تفسير الوجود الإنساني كلّه من داخل الطبيعة ومنطق التاريخ، من غير استدعاء لأي مرجع غيبيائي (ميتافيزيقي) أو مطلق متعالٍ. وفي هذا المنظور، تغدو الطبيعة أصل كلّ شيء ومنتهاه، ويُفهم الإنسان بما هو حصيلة صيرورات مادّية طويلة، وتصبح القيم والمعاني ذاتها منتجات تاريخية قابلة للتحوّل، لا تمتلك أيّ ثبات خارج سياقاتها التي نشأت فيها. وتتكامل في هذا النسق أربعة أسس كبرى تتساند فيما بينها:
• أوّلها مبدأ التطوّر الذي غادر حدود الحِياوة (البيولوجيا) ليغدو إطارا شاملا لتفسير الوجود. فالتطوّر لا يقدّم رؤية عن تنوّع الأنواع فحسب، بل يقدّم سردية كونية ترى أنّ العالم ينتقل تلقائيا من الأبسط إلى الأعقد، ومن الأدنى إلى الأعلى، إذ تنشأ الحياة والوعي والثقافة والدين من تدرّجات طبيعية محضة بلا قصد أعلى. وهكذا يتأسّس التصوّر الحداثي للإنسان على أنّه نتيجة عملية طبيعية طويلة كافية بذاتها، لا تحتاج إلى تفسير يتجاوز الطبيعة.
• ويأتي مبدأ الصراع ليمنح التاريخ طاقته الحركية؛ فمع الرؤية الماركسية للتاريخ، يصبح الصراع هو قانون التحوّل الاجتماعي ومنطق إنتاج البِنَى الثقافية والسياسية. والأفكار العليا، بما فيها الأخلاق والدين والقانون، تُفهَم بوصفها انعكاسا لمصالح طبقية متنافسة. ومن هذا المبدأ ذاته تنحدر المؤسّسات السياسية والاجتماعية الحديثة التي لا تُبنى على نفي الصراع، بل على تنظيمه. فالديمقراطية، في جوهرها السياسي العميق، ليست مشروعا لتحرير التعبير أو تحقيق مساواة أو عدالة، بل ميفاقا يهدف إلى ضبط الصراع ومنعه من التحوّل إلى احتراب داخلي، من خلال توزيع متدرّج للسلطة وكبح لحظات الانفجار. وكذلك النقابات التي نشأت أصلا كأدوات صراع تفاوضي بين العمّال وأرباب العمل، إذ لا تقوم وظيفتها على الانسجام الاجتماعي، بل على إدارة التوتّر الاقتصادي ضمن قواعد متّفق عليها. بهذا المعنى، يتجسّد الصراع بوصفه مبدأ بِنْيويا في الحداثة، لا حالة عارضة، وتصبح المؤسّسات ذاتها أجهزة لتنظيم التنافس الدائم بين المصالح.
• أمّا مبدأ الجنس فيقدّم البِنْية الإناسية (الأنثروبولوجية) الداخلية التي يحتاجها هذا النسق لتفسير الذات من غير مرجعيّات روحية أو قيمية ثابتة. فوَفْق التحليل الفرويدي، تشكّل الرغبات البدئية والغرائز المكبوتة المحرّك الأعمق للذات، وتتحوّل الظواهر الثقافية والدينية والفنّية إلى تعبيرات رمزية عن تلك الطاقة الغريزية. إنّ الفنّ تسامٍ sublimation، والدين كبت repression، والقانون تَزَكُّر decentering لتلك القوى الداخلية التي لا تتوقّف عن إعادة تشكيل الوعي. وعلى هذا النحو يلتقي فرويد مع داروين وماركس في إرساء رؤية ترى الإنسان محكوما بما هو قبلي: صيرورته الطبيعية، تناقضاته الاجتماعية، ودوافعه النفسية.
• وتتويج هذه الأسس هو مبدأ النِّسْبانية، الذي يعلن انهيار فكرة الحقيقة المطلقة ضمن هذا التصوّر. فإذا كان الإنسان نتاج تطوّر مادّي، والتاريخ مسرحا لصراعات لا تنتهي، والذات محكومة برغبات ياوِعة (لاواعية)، فإنّ المعرفة تغدو بدورها مشروطة بالظروف التي تنتجها. الحقيقة نسق، والقيمة اتّفاق، والمعنى بناء لغوي وثقافي لا يملك أي مبرّر خارج شروط إنتاجه. ومن هذا الأصل تتفرّع تيارات ما بعد الحداثة التي ترى أنّ الخطاب سلطة، وأنّ العقل جهاز للهيمنة، وأنّ الحقيقة وليدة المصلحة والسياق.
بهذا تتشكّل الفلسفة الحاكمة للحداثة الغربية: رؤية طبيعية–تاريخية تُقصي الغيب، وتنزع عن الحقيقة ثباتها، وعن القيمة قدسيتها، وعن الإنسان مركزيته. إنّه نسق يفسّر الوجود كحركة بلا قصد، والتاريخ كتوازنات صراع تُدار ولا تُلغى، والذات كتراكم لرغبات تُكبَت وتتفجّر، والمعنى كصيرورة لا نهائية بلا معيار فوقي يحتكم إليه.
استحالة إدراج الغيب في النسق الغربي: التطوّر بوصفه حجر الزاوية في البنية الطبيعيّة–التاريخيّة
إنّ نظرية التطوّر، على الرغم ممّا يعتريها من فجوات علمية كبرى واعتراضات فلسفية عميقة، ما تزال تمثّل في الوعي الغربي الحديث الحلّ التفسيريّ الأكثر مصداقية للقبول، ليس لأنّها مكتملة أو محكمة البرهان، بل لأنّها منسجمة بِنْيويا مع النسق الفكري الذي تأسّست عليه الحداثة الغربية. فالفكر الغربي لا يقوم على تجميع نظريات متفرّقة، بل على منظومة معرفية مترابطة عناصرُها الداخلية متساندة، ولا تحتمل إدخال عنصرٍ واحدٍ من خارجها من دون أن يختلّ توازنها الكلي.
والنسق الغربي، كما تقدّم، قائم على أربعة أعمدة كبرى: التطوّر، والصراع، والجنس، والنسبانية، وهي أعمدة تتشارك في خلفية واحدة تُقصي الغيب إقصاءً منهجيا لا ظرفيا. فالغيب — بما هو إرادة إلهية فاعلة في الوجود — لا يُرفض لأنه مستحيل عقلا، بل لأنّه غير قابل للاندراج في البناء الفلسفي الغربي نفسه. إدخاله في هذا البناء يشبه — في لغة الاستعارة — محاولة إدخال فيل ليكون أحد أعمدة البيت؛ إذ مهما حاول البنّاء تعديل المخطّط أو توسيع الجدار فلن يتوافق الهيكل مع طبيعته الجديدة، لأنّ الفيل ليس عنصرا إنشائيا أصلا، ولأنّ البيت نفسه صُمّم ليُشيَّد من موادّ مختلفة تماما. وبالمثل، لا يستطيع النسق الغربي أن يضيف الإرادة الإلهية إلى منظومة تفسير الوجود من دون أن ينقض الأساسات التي يقوم عليها كلّ العلم الحديث، وكلّ الفلسفة الحديثة، وكلّ التصوّرات السياسية والاجتماعية التي انبثقت عنها.
من هنا يمكن فهم سبب التمسّك الغربي بنظرية التطوّر حتى في لحظات الاعتراف بعيوبها الجوهرية؛ فالقبول بهذه العيوب ليس اعترافا بضعفها، بل هو اعتراف ضمني بأنّ البديل المطروح غير وارد منهجيا. فإدراج الغيب — أي القول بوجود فاعل فوق طبيعي موجّه للصيرورة — ليس نظريّة منافسة للتطوّر، بل هو نقض كامل للنسق الذي يقوم عليه الفكر الغربي. ولذلك يُنسب لبيير-سيمون لابلاس Pierre-Simon Laplace قوله: إنّ الله فرضية لا لزوم لها، لا لأنّها خاطئة علميا، بل لأنّها ستكون —لو أُدرجت— بمثابة انهيار كامل للبناء المعرفي الذي يعطي العلم الغربي معناه وحدوده ومشروعيته.
إنّ نظرية التطوّر، في هذا السياق، ليست مجرّد تفسير لظهور الأنواع، بل هي الحجر الذي تُسند إليه بقيّة الأحجار: فهي تبرّر النزعة الطبيعية، وتنسجم مع المادّية، وتدعّم الرفض المبدئي للغيب، وتؤطّر فهم الإنسان ضمن حركة غير قصدية متدرّجة من المادّة نحو الوعي. ومن ثمّ، فحتى حين يعترف العلماء بوجود ثقوب أو مناطق رمادية في الداروينية أو في نظريات التطوّر الثقافي واللغوي، فإنّهم يُرفِقون هذا الاعتراف بقناعة راسخة بأنّ العلم سيسدّها في المستقبل، لأنّ البديل الوحيد المطروح هو إدخال عنصر فوق-طبيعي، وهذا غير ممكن ضمن قواعد اللعبة نفسها.
وعلى هذا النحو يصبح التمسّك بالتطوّر —على الرغم من عيوبه الفادحة والقادحة— أمرا منهجيا أكثر منه علميا؛ فهو ضرورة للحفاظ على تماسك البناء الفكري الغربي، تماما كما أنّ إدخال فيل في تِبانة البيت ليس مجرّد خطأ في التصميم، بل هو ضرب من المستحيل البِنْيوي الذي يُفضي إلى انهيار البناء ذاته. ومن ثمّ، فإنّ الغيب ليس مرفوضا فقط، بل هو —في منطق هذا النسق— غير قابل للاندراج أصلا.
لا تنحصر نظرية التطوّر في نطاقها الحِياوي المحض، ولا تُختزل في تفسير نشوء الكائنات الحيّة وتحوّلاتها، بل تتجاوز ذلك لتصبح إطارا معرفيا عامّا يُستفاد منه في قراءة الظواهر الإنسانية كلّها، وفي مقدّمتها اللغة. فاللغة البشرية، وفق هذا المنظور، ليست جوهرا منزّها عن التاريخ ولا بِنْية مكتملة منذ البدء، بل هي نتاج طبيعي نشأ في صورة أوليّة بسيطة ومحدودة، ثم أخذ يتعقّد ويتمايز تدريجيا بفعل التراكم والاستجابة لمقتضيات الحياة والمعرفة.
النسق الفكري وهيمنة النموذج التفسيري في تشكيل المعرفة
لذلك تبقى نظرية التطوّر—والتي اتّخذناها مثالا لتوضيح كيفية اشتغال النسق الفكري— القَراوَةَ أو النموذجَ المهيمن في الفكر الغربي، لا لكونها تُقدَّم كأطروحة علمية فحسب، بل لانتمائها إلى منظومة فكرية كلّية ومتكاملة تؤطّر البحث العلمي وتوجّه مساراته. فالنموذج، كما بيّنه توماس كوهن في الثورات العلمية، لا يقتصر على تقديم تفسير لظاهرة معيّنة، بل يحدّد التصوّرات المسبقة، ويرسم أولويات البحث، ويضع المعايير التي يُعدّ وفقها الدليل العلمي دليلا مقبولا. ومن ثمّ فهو أشمل من النظرية وأكثر قدرة على تنظيم المعارف، لكنه أقلّ اتساعا من الرؤية العالمية التي تُعطي تصوّرا كلّيا للوجود والواقع. وعلى هذا الأساس، يُعدّ التفسير العِلْماني للتحوّلات الدينية نموذجا قائما بذاته، إذ يوجّه الباحثين إلى تحليل الظواهر الدينية من منظور غير ديني، مع إيلاء العوامل الاجتماعية والتاريخية الأولوية في تفسير نشوء المعتقدات وتطوّرها.
ولإيضاح الفكرة أكثر، يمكن النظر في مثال تحريم لحم الخنزير؛ فالموقف منه يتحدّد تبعا للمنهج الذي ينتمي إليه الباحث. فالنموذج العلماني أو المادّي، الذي يستند إلى الفكر الوَضْعاني الطبيعي، لا يجد مبرّرا مقنعا للتحريم، لأنّ النسق المعرفي الذي ينتمي إليه لا يضمّ ما يمنح لهذا الحكم معنىً أو وظيفة. أمّا المنهج الديني فيتحرّك ضمن إطار معرفي مباين تماما؛ إذ يدرج الغيب بوصفه عنصرا مكوّنا في جدلية الإنسان والطبيعة، ومن ثمّ فالحكم الديني يُفهَم من داخله لا من خارجه. ولهذا لا يكون سؤال العلماني سؤالا بريئا حين يطلب من المتديّن تعليلا علميا للتحريم، لأنّه يسعى—بوعي أو بغير وعي— إلى جرّه إلى نموذج معرفي لا ينتمي إليه، ليضعه في موضع التناقض والعجز، لأنّ الإجابة الدينية لن تنسجم مع الأسس المفهومية التي يقوم عليها الفكر المادّي الوضعي. ومن ثمّ تكون الإجابة المنسجمة مع النسق الديني هي إثبات التحريم بما هو أمرٌ إلهي قائم على علمٍ إلهيّ يجاوز علم الإنسان: نحن نمتنع عن أكل لحم الخنزير لأنّ الله أمر بذلك، والله يعلم ونحن لا نعلم.
إذن استمرار وجود نظرية التطوّر في الفكر الغربي إلى اليوم والتغيّرات الهائلة التي لحقتها من ظهورها أوّل مرّة ليس لكونها بالضرورة أكثر صحّة علميا من البدائل الأخرى كالتوقيفية، بل لأنّها متّسقة تماما مع الرؤية العلمانية للوجود، وتنسجم مع الأسس المادّية والطبيعية التي يقوم عليها النسق الفكري الغربي الحديث. فالنسق المعرفي أو القَراوَة التي تحدّد المعايير العلمية، وتوجّه البحث، وتشكّل الإطار المرجعي للتفسير، لا تقبل إدخال عناصر خارجية غيبية أو غيبيائية (ميتافيزيقية)، لأنّ ذلك سيخلّ بتوازن البِنْية الفكرية برمتها. ومن هذا المنظور، لن تنهار نظرية التطوّر إلّا إذا ظهرت نظرية أخرى تنتمي إلى الأفق المعرفي نفسه، أي ضمن الإطار المادّي الطبيعي نفسه الذي يشكّل النسق السائد، على نحو يمكن أن تحلّ محلّها من دون أن تعطلّ الأسس البِنْيوية للفكر العلمي الغربي.
أزمة الفكر الغربي: في الغياب الظاهر للقيم والغيب والحضور الخفي للأخلاق والغائية
الوضعانية الانتقائية تمثل توجّها معرفيا أو فلسفيا يقوم على تبنّي بعض مبادئ الفلسفة الوضعانية، لاسيما في مجال العلم الطبيعي والتفسير المادّي للواقع، مع رفض أو تجاهل لنتائجها الحتمية حين تمتدّ إلى القيم والأخلاق والغائية. وهي بذلك تشكّل حالة من التناقض البنيوي، إذ تجمع بين العقلانية العلمية التجريبية من جهة، والدعوة إلى القيم والفضائل التي لا تمتلك جذورا صريحة داخل النسق الوضعاني نفسه من جهة أخرى. الفلسفة الوضعانية في جوهرها ترفض الغيبيات وتستند إلى الملاحظة والتجريب كمصدر وحيد للمعرفة، مع الاعتقاد بأنّ الطبيعة –بما فيها الإنسان– تُفهم من خلال قوانين موضوعية مستقاة من العلم، وأن الإنسان جزء من سلسلة التطوّر الطبيعي، محكوم بالانتقاء والصراع من أجل البقاء.
لكن الوضعانية الانتقائية، لاسيما في التطبيقات الاجتماعية، تتوقّف عند هذا الحدّ حين تمسّ السلوك الإنساني والأخلاق الفردية والجماعية. فهي، على سبيل المثال، تقبل نظرية التطوّر بوصفها تفسيرا طبيعيا لظهور الإنسان وثقافته، لكنّها في الوقت نفسه تدعو إلى التعاون والإيثار والفضائل الأخلاقية، من دون أن توفّر تفسيرا داخليا لهذه القيم ضمن النسق المادّي الطبيعي الذي تنطلق منه. ومن ثمّ، تظهر هنا إشكالية منهجية جوهرية: المادّية الطبيعية وحدها، مهما كانت دقيقة، غير قادرة على إنتاج منظومة أخلاقية متماسكة أو منح المعنى للفعل الإنساني، لأنّها تفتقد إلى البِنْية التي تضمن اشتغال القيم ضمن قوانين الطبيعة.
هذا التناقض لم يغفل عنه المفكرون؛ فقد أشار طه عبد الرحمن والفيلسوف محمد أبو القاسم حاج حمد إلى أنّ اعتماد المنهج العلمي التجريبي وحده لا يفضي إلى بناء رؤية متكاملة للإنسان والمجتمع، بل قد يؤدّي إلى نزع المعنى عن الفعل الإنساني. كذلك بيّن يورغن هابرماس أنّ الفصل الحاد بين الوقائع والقيم في الوضعانية يؤدّي إلى فراغ قيمي لا يمكن ملؤه إلّا من خارج النظام نفسه. ومن هذا المنطلق، تُعتبر الوضعانية الانتقائية صورة من صور الانتقائية المعرفية والتلفيق الفكري، تحاول الجمع بين المعرفة الوضعانية والخطاب الأخلاقي التقليدي، من دون أن تمتلك أداة داخلية لتركيب حقيقي بين المجالين، ما يجعلها تواجه تحدّيا جوهريا في بناء رؤية متماسكة عن الإنسان، والطبيعة، والمجتمع، والأخلاق.
وليس هذا فحسب، فالفكر الغربي الحداثي يواجه أزمة منهجية أعمق من مجرّد صراع بين الوقائع والقيم؛ فهو يتصف بازدواجية بِنْيوية. فالإنسان الوضعي الغربي، من جهة، ينكر أي فعل للغيب في الطبيعة ويرفض التدخّل الإلهي أو التصميم المسبق كعامل في الكون، بما يتوافق مع النسق المادّي الطبيعي والمنظومة التطوّرية للعلم الحديث. ومن جهة أخرى، يقرّ بشكل خفي، وربّما تحت وطأة الحاجة التفسيرية، بوجود نوع من التصميم الواعي أو الغائية الكامنة في الكائنات الحيّة والعمليات الطبيعية، وهو ما يعكس إقرارا ضمنيا بحدود النسق المادّي في تفسير المعقّد الحِياوِي.
ويصوّر الطبيب النمساوي هانز فون بروكه هذه المأزقية بقوله: «الغائية سيّدة لا يقدر أي عالم حِياوي أن يحيا من دونها، ومع ذلك، فهو يخجل أن يظهر بصحبتها أمام الناس». هذه العبارة تكشف عن صراع داخلي في العقلية العلمية الغربية: الحاجة إلى تفسير الظواهر المعقّدة بوجود هدف أو غاية من جهة، والخوف من المساس بقدسية النسق المادّي الطبيعي الذي يُحصر فيه الفعل العلمي من جهة أخرى. فالنسق المادّي، على الرغم من جبرية أسسه المنهجية، لا يستطيع وحده أن يفسّر انتظام الكائنات الحيّة، أو ظهور الوظائف المعقّدة، أو الانسجام البنيوي للأنظمة الحِياويّة والثقافية، ومن هنا يظهر حضور الغائية بوصفها فرضية عملية تتجاوز ما يمكن للنسق المادّي أن يقدّمه.
وعلى هذا، نجد أنّ الغائية في الفكر الغربي الحديث، على الرغم من إنكارها الصريح، تشكّل عنصرا خفيا في الفكر المادّي، وهو ما يبرز بصورة أقوى عند مواجهة الظواهر المعقّدة أو الحياتية أو اللغوية، مثل ظهور اللغة الإنسانية، أو التنظيم الاجتماعي، أو التكيّف الحِياوِي. فالنسق المادّي والطبيعي يظلّ مقيّدا بالمنهج العلمي، ويرفض الغيب أو التصميم الواعي، لكنّه في الوقت نفسه يقرّ ضمنيا بوجود قوى تنظيمية أو هدفية لا يستطيع تفسيرها بالمَوافيق الصِّرْفة للتطوّر والانتقاء الطبيعي.
يمكن القول إنّ هذا التناقض يعكس حدود الوضعانية المادّية والطبيعية: فهي قادرة على تفسير التراكم والتدرج والصراع، لكنّها تفشل في إنتاج تفسير كامل للمعقّد الحياوي والأخلاقي، ممّا يضطر العقل الغربي إلى الاحتفاظ بالغائية الخفية كأفق معرفي غير معلن، يملأ الفراغ الذي تتركه المادّية الطبيعية في فهم الكائنات الحيّة والسلوك الإنساني.
حدود العلم والمنهج التجريبي: قراءة فلسفية في المعرفة
ترتبِط حدود العلم أو حدود المعرفة بالمدى الذي يمكن لما يُسمّى بالمنهج التجريبي أن يكتسب به الإنسان معرفةً جديدة في موضوع معيّن. وإذا كان المنهج الذي يعتمد على المشاهدة والتجربة والقياس، قد أثبت قيمته العظيمة في تاريخ التقدّم الإنساني لاسيّما في العلوم الطبيعية التي تختصّ بالمادّة، إلاّ أنّ هذا المنهج نفسه لم يثبت نجاعته في عدد من ميادين البحث العلمي في علوم النفس والاجتماع والاقتصاد وغيرها.
يشير ستيف جونز Steve Jones إلى الحدود الجوهرية للنظريات العلمية في الإجابة على الأسئلة الكبرى للوجود والقيمة: «لم تقدّم النظريات العلمية جميعها من حيث الجوهر حلاّ لكلّ شيء، فالعلم لم يستطع أن يقدّم جوابا عن الأسئلة التي يطرحها الفلاسفة أو الأطفال: لماذا نحن هنا؟ وما الهدف من وجودنا على قيد الحياة؟ وكيف يجب علينا أن نتصرّف؟ وعلم الوراثة لم يجب بشيء تقريبا حول السؤالين التاليين: ما الذي يجعل الناس أكثر من مجرّد آلات تحرّكها الحِياوة، وما الذي يجعلنا من بني البشر؟ قد تكون هذه الأسئلة مهمّة، ولكنّ العلماء ليسوا أكثر كفاءة من الآخرين للتعليق عليها. عانى علم الوراثة الإنساني في أيّامه الباكرة إلى حدّ كبير، من الاعتداد بالذات، وفشل في إدراك حدوده، فعادت عليه المعرفة بالخزي، شأنه في ذلك شأن العلوم الأخرى، ولكنّ الوعي الحديث الذي كوّنه سيثير أيضا مشكلات اجتماعية وأخلاقية قلّما تمّت دراستها قبل الآن».
يشاركه هذا الرأي أيضا السير جون إكليس John Carew Eccles، طبيب وعالم باحث في شؤون الدماغ والأعصاب، نال جائزة نوبل في علم وظائف الأعضاء، إذ يؤكّد على الطبيعة الفرضية للمعرفة العلمية:
«ينبغي التخلّص من اعتقاد خاطئ يقول به كثير من العلماء وهو أنّ العلم سيوفّر لنا الحقيقة النهائية، والواقع أنّ العلم لا يحمل إلينا الحقيقة، إنّ الذي يفعله العلم هو توفير فرضيات في سعينا الدائب للاقتراب من الحقيقة، ليس للعلماء أن يزعموا أنّ معارفهم تتجاوز هذا الحدّ، إنّ المفاهيم العلمية التي لدينا في الآونة الحاضرة ستتغيّر مع تطوّر العلم. إنّ قانون الجاذبية الذي وضعه نيوتن لم يكن حقيقة نهائية. أفكارنا ما تزال تتطوّر مع الزمن وَفْقا للأبحاث والمعطيات الجديدة، إنّ التغيّرات التي عرفناها في مدى حياة واحدة على سبيل المثال تُعتبر هائلة، وممّا يُؤسف له أنّ العديد من العلماء وشارحي العلم لا يدركون حدود هذا الميدان، إنّهم يتوقعون من العلم أكثر ممّا يحقّ لهم أن يتوقعوه، ثمّ يزعمون أنّه سيتوصّل ذات حين إلى تفسير القيم والجمال والحبّ والصداقة والفنّ والمميّزات الأدبية، هذه المفاهيم ستكون في اعتقادهم، قابلة لتفسيرها على أساس إنجاز الدماغ، وليس علينا في سبيل ذلك إلاّ أن نعرف المزيد عن الدماغ، غير أنّ هذه النظرة ليست إلاّ خُرافة تُشوّش الرأي العام والعديد من العلماء. إنّ مهمّتي كعالم تقوم على القضاء على الخُرافات، وممارسة العلم باعتباره مغامرة بشرية كبرى، غير أنّ فهم الشيء غير الشرح التّام النهائي».
ويضيف قائلا، مستعرضا قصور العلم في تفسير الوعي والذات الفردية:
«لقد قضيت حياتي كلّها باحثا في قضايا الدماغ، وأدركت روعة هذا الكائن العجيب وعرفت مدى الخبرات الواسعة التي يوفّرها لنا، ثمّ وجدت أنّ الدماغ مستودع كبير جدا للذكريات، والوقع أنّ تلك هي مهمّته الكبرى، أو الرئيسة، غير أنّ فحص الدماغ بواسطة جميع الأساليب العلمية المتعدّدة لا يعني أنّني أستطيع أن أعرف لماذا أرى دنيا من نور ولون كلّما فتحت عينيّ. نحن نعيش في عالم من التجارِب، لا في عالم من الأحداث الدماغية، لم يحدث أن رأيت دماغي، أنا لا أعلم إلاّ أنّني أعيش من الصباح حتى المساء بين الأصوات والأضواء، بين اللمس والنطق، بين الفكر والعمل، هذا هو العالم الذي أعيش فيه، ثمّ إنّ الكثير منه لا يمكن تفسيره تفسيرا علميا، والعلم بعد هذا عاجز عن تفسير وجود كلّ شخص منا كفرد فريد بحدّ ذاته، غيرُ قادر أنّ يجيب عن أسئلة أساسية منها: من أكون أنا؟ لماذا أنا هنا؟ كيف حدث أن وجدت في مكان وزمان معيّنين؟ ماذا يجري بعد الموت؟ هذه كلّها مبهمات تتجاوز قدرة العلم. لقد فعل العلم الشيء الكثير في تحطيم إيمان الإنسان بعظمته الروحية، واستبدال ذلك بالاعتقاد بأنّه مجرّد حيوان لا أهمية له، ظهر بالصدفة وبالضرورة على كوكب لا أهمية له في هذا الكون العظيم الاتساع. لكن لا يعني أن الدين والعلم في طرفي نقيض بالضرورة. فالريزيائي الكبير ماكس بلانك كان كاثوليكيا ممارسا، وألبرت أنشتاين كان يؤمن بالله صانع الكون، كذلك ويرنر هايزنبرغ العالم الريزيائي المشهور يحمل أفكارا دينية ولو أنّه لم يكن يمارس الطقوس الدينية».
أزمة الفكر الديني في المسيحية والإسلام : الجذور والتحوّلات
إنّ البحث عن بديل لأزمة المنهجية المعرفية في الغرب—وهي الأزمة التي كشفت عجز المادّية الطبيعية عن استيعاب القيم والمعاني ضمن إطارها الفكري—قد يدفع البعض إلى الاعتقاد بأنّ المعرفة الدينية هي المخرج الطبيعي من هذا المأزق. غير أنّ هذه المعرفة نفسها ليست بمنأى عن الإشكالات؛ إذ إنّ أزمة المسيحية في الغرب كانت هي العامل الأساس الذي مهّد لظهور الفلسفات المادّية والعلمانية، حين فقدت المسيحية قدرتها على تقديم تفسير كوني منسجم بعد انهيار نصّها المقدّس ولاهوتها الكنسي.
أمّا العالم الإسلامي فقصّته تختلف تماما. فالقرآن ظلّ محفوظا، ولم يكن النصّ نفسه هو مصدر الأزمة، بل الموروث التأويلي الذي تكوّن في عصر التدوين. لقد كان هذا العصر ملتقىً لأفق معرفي شديد التعقيد: قبائل بدوية كانت حديثة عهدٍ بالإسلام ولم تتجاوز تصوّراتها الإحيائية الموروثة؛ وفِرَق سياسية ومذهبية كانت تستعمل الرواية الدينية لتثبيت شرعيتها؛ وبقايا الفكر الفارسي الساساني الذي لم يتخلّص من رؤيته الأسطورية للكون؛ وطوائف دينية قديمة كالمندائيين واليهود والمسيحيين. وفي هذا السياق تشكّلت طبقات واسعة من الأخبار والأحاديث والتأويلات التي مثّلت في كثير من الأحيان امتدادا لخيال تلك العصور أكثر مما كانت تمثّل استيعابا لمقاصد الوحي الأولى.
لقد سمح هذا التشكّل التاريخي لأنماط معرفية غير منسجمة —بدوية، إحيائية، غنوصية، وثنية، سياسية— أن تتسلّل إلى نسيج الفكر الديني لاحقا، حتّى أصبحت في عصور الانحطاط هي المرجعية العليا التي يتعامل معها كثير من المتديّنين اليوم بوصفها هي الدين نفسه. ومع سقوط التديّن الفطري المدني الذي تأسّس في المدينة المنوّرة على سلوك النبوّة، أصبح الفكر الإسلامي الحديث أسيرا لعقلية مدوّنة لا عقلية وحي، تستقي مفاهيمها من الأحاديث الملفّقة لا من المنهجية المعرفية القرآنية.
وهكذا نجد أنّ أزمة المعرفة الدينية—في الغرب وفي العالم الإسلامي—كانت جزءًا من الأسباب التي سمحت بصعود المادّية الطبيعية أو بجمود الفكر الديني، وأنّ كلّا من التجربتين كشف عن عجزٍ بنيويّ في التعامل مع المعرفة: الغرب خرج من دينٍ فقد نصّه وتاريخه إلى مادّية فقدت قيمها ومعناها؛ والعالم الإسلامي دخل في انقطاع حضاري سمح للموروث التدويني —بكلّ طبقاته المتضاربة التي تعود إلى القرن الثالث الهجري— أن يصبح أفقه المعرفي الأعلى.
ومن هنا، لم يكن الصراع بين الدين والمادّية صراعا بين نقيضين خالصين، بل كان —في عمقه— نتيجة أزمة مشتركة في المنهج المعرفي ذاته: أزمة في كيفية فهم العالم، وأزمة في كيفية فهم النصّ، وأزمة في كيفية فهم الإنسان. وعلى هذا النحو نجد أنفسنا أمام مفارقة: الغرب الحديث خرج من أزمة دينية إلى مادّية طبيعية عاجزة عن إنتاج المعنى. والعالم الإسلامي يعاني من أزمة دينية وفكرية دامت قرونا، ضمن موروث تدويني لا يمثّل الدين في أصله، بل يمثل سقوفا معرفية تشكّلت في ظلّ ظروف تاريخية محدودة. ومن ثمّ، فإنّ تجاوز الأزمة المعرفية المعاصرة —غربية كانت أو إسلامية— يقتضي نقدا مزدوجا: نقد المادّية التي أقصت القيم، ونقد الموروث الذي حجَب النصّ الديني تحت طبقات من التأويلات المتوارثة والأحاديث المكذوبة.
• المسيحية والأزمة الفكرية الحديثة
شهد الفكر الديني المسيحي في الغرب أزمة عميقة امتدّت قرونا، وكان لها أثر بالغ في تشكيل الوعي الحديث. فالمسيحية الغربية، بخلاف الإسلام، فقدت نصّها المقدّس الأصلي بفعل التحريف وتعدّد الأناجيل وتناقض الروايات، وتورّطت في أنساق عقائدية وفلسفية ذات طابع خرافي أو وثني موروث، ما أدّى إلى انفصال متزايد بين الإيمان والواقع، وجعل اللاهوت المسيحي عرضةً للتأويلات المتعارضة التي لم تستطع الصمود أمام النقد العلمي والفلسفي. وقد حاول كثير من مفكّري الغرب التوفيق بين الإيمان المسيحي وحقائق العلم الصلبة. ومن أبرزهم النِّفْسيائي الفرنسي بيار جانيه Pierre Janet (ت 1947م) الذي قال: كنت أحلم بتحقيق مصالحة بين العلم والدين، والوحدة يجب أن تتمّ عن طريق فلسفة متكاملة تُرضي العقل والإيمان. لم أتمكّن من تحقيق هذه المعجزة، غير أنّي بقيت فيلسوفا. اعتراف جانيه يلخّص مأزق المسيحية الحديثة: لا النصّ الأصلي محفوظ، ولا التأويلات اللاهوتية قادرة على احتواء الثورة العلمية، ولا الكنيسة استطاعت أن تواكب التصوّر الجديد للكون الذي قدّمته الريزياء والكينياء.
يصف محمد أبو القاسم حاج حمد هذا التحوّل بعبارة اللاهوت الأرضي، أي انتقال القداسة في الفكر الغربي من الله إلى الإنسان. وهو تحوّل جِذْراني نشأ بعد انهيار اللاهوت الكنسي التقليدي، لاسيّما منذ عصر النهضة والتنوير، حين دخلت أوروبا في مواجهة مباشرة بين العقل العلمي والسلطة الدينية. في العصور الوسطى كانت الحقيقة تُقاس بالقداسة؛ المسيح هو تجسّد الإله، وهو معيار القيمة والمعنى والنظام. أمّا بعد التنوير، لم يعد الغرب يرفض المسيحية لأنها مقدّسة، بل لأنها عاجزة معرفيا عن تفسير الكون والإنسان في ظل الاكتشافات العلمية. وعلى هذا النحو، لم تُلغَ القيم الدينية، بل أُعيد تدويرها في صورة جديدة: أصبحت الحرّية قيمة مطلقة بدلا من الخضوع الكنسي؛ وأصبح الإنسان مركز الوجود بدلا من الله المتجسّد؛ وحلّ العقل والعلم محلّ الوحي واللاهوت. ومع مرور الوقت، تحوّلت الشخصيات التي كانت الكنيسة تعدّها ضالّة أو هرطقية —كغاليليو وسبينوزا— إلى رموز مقدّسة للحداثة، بينما فقدت الكنيسة سلطتها على تشكيل النسق الثقافي والمعرفي.
• الإسلام والأزمة الفكرية الحديثة
على الرغم من أنّ النصّ القرآني بقي محفوظا في الإسلام على خلاف ما وقع للكتب المقدّسة في اليهودية والمسيحية، فإنّ المعرفة الدينية المتداولة اليوم عند المسلمين هي في جوهرها نتاج الفهم العربي القديم للقرآن، ذلك الفهم الذي صاغه الوعي الإحيائي القبلي في شبه الجزيرة العربية وما جاورها من الأصقاع. فقد تعامل العرب الأوائل مع ظواهر الكون تعاملا تجزيئيا، ورأوا فيها قوى مستقلة بذاتها، وافترضوا لكلّ ظاهرة «نفسا» وفاعليةً خاصّة، حتى نشأت عبادات متعدّدة للمطر والزروع والحرب والتجارة وغيرها، فكان لكلّ ظاهرة إلهها. ولهذا قالوا —مستنكرين دعوة التوحيد— «أجعل الآلهة إلها واحدا إنّ هذا لشيء عُجاب» (ص، 5). لقد جاء القرآن بوعي كوني يفوق أفقهم الإدراكي، غير أنّهم لم يدركوا نسقه الداخلي ولا منهجه، واكتفوا باستنباط مقاصده من سلوك النبي، لأنّ خلقه كان القرآن.
لكن هذا الوعي الجديد لم يُقرأ في ضوء منطقه الخاص، بل فُسِّر القرآن بشعر امرئ القيس وعمرو بن كلثوم، مع أنّ الله تعالى نفى صراحة عن كتابه صفة الشعر: «وما علّمناه الشعر وما ينبغي له، إن هو إلا ذكر وقرآن مبين» (يس، 69). وبسبب تلك الذهنية التجزيئية ذاتها التي نظرت إلى الكون مفكّكا، نظروا إلى القرآن مفكّكا كذلك، وأدخلوا في فهمه مقولات الناسخ والمنسوخ حين بدا لهم أن بعض الآيات «يتعارض» مع أخرى، وكأنّ الله جلّ وعلا لم يكن يعلم ما يُنزّل. ثمّ خضع التفسير لما تسرّب من روايات موضوعة وقصص توراتي أُلصق بالوحي، فأصبح القرآن محكوما بمنظومة أحاديث مختلطة وبخيال أسطوري قديم.
ومع دخول العصر الحديث، وجد المفكّرون الوَضْعانِيون في الغرب والعالم الإسلامي معا فرصة لقراءة القرآن قراءة تاريخية، فاعتبروا معانيه مقيّدة بمدلولاتها زمن التنزيل وعصر التدوين، وأنّ أيّ فهم لاحق ليس إلّا امتدادا تراكميا لتلك الدلالات الأولى. وبذلك يكون القرآن —من وجهة النظر الوَضعانيّة— خاضعا لقانون «تُراخِية الأفكار»، أي إنّ معانيه تتبدّل قيمتها المعرفية بتبدّل الحقب التاريخية، فلا يمكن للقرآن أن يتجاوز أفق القرن السابع الميلادي.
واللافت أنّ هذا التصوّر الوَضْعاني ينسجم مع الرؤية الدينية الشائعة في العالم الإسلامي، لاسيما عند الحنابلة والسلفية، الذين يربطون صلاحية القرآن لكلّ زمان ومكان بإبقاء المعاني القديمة على حالها من دون اعتبار لتمايز الحقول المعرفية أو تطوّر المفاهيم. وهكذا يلتقي الاتجاهان —الوضعاني والديني الحرفي— على نتيجة واحدة وإن اختلفت المنطلقات: كلاهما يحكم على القرآن بأنّه غير قابل للدخول في أفق معرفي جديد؛ الاتّجاه الوَضْعاني يراه نصّا تاريخيا محدودا بزمنه، والاتجاه الحرفي يراه صالحا لكلّ زمان بشرط أن يُفهم بالتصوّر نفسه لذلك الزمان القديم.
وبهذا تتكرّس الأزمة : القرآن محفوظ، لكن الوعي المتشكّل حوله ما يزال محكوما بأفق معرفي بدائي، يُعطّله من أن يمارس دوره ككتاب هداية قادر على إنتاج رؤية كونية جديدة تستوعب تطوّر المعرفة البشرية بدل أن تبقى أسيرة تصوّرات عصر التدوين.
نحو بناء أفق غيبيائي جديد : لقاء بين نقد المادّية والرؤية الإسلامية للمعرفة
تشهد الساحة الفكرية العالمية في العقود الأخيرة اهتزازا متصاعدا في البِنْية المادّية الطبيعية التي هيمنت على الوعي الغربي منذ عصر التنوير، هذا النسق الذي حصر الوجود في موافيق المادّة وأقصى الغيب. غير أنَّ هذا البناء العقلاني بدأ يتصدّع من الداخل، مع بروز تيّارات في الفلسفة العلمية الحديثة —لا سيما في ريزياء الجسيمات، والنسبية، والكينياء— تشير بوضوح إلى حدود المنهج التجريبي وقصوره عن تفسير الوجود بالكامل. وقد أسهمت هذه التحوّلات في ظهور ما يمكن تسميته بالتواضع العلمي الجديد the new scientific humility، إذ بات عدد من العلماء يعترفون بأنَّ المنهج الطبيعي لا يملك القدرة على تفسير الغائية، أو الوعي، أو القيم، أو المعنى، وأنَّ ثمة حاجة إلى أفق غيبيائي أرحب يفسّر الوجود بعناصر تتجاوز الريزيائي الخالص. في موازاة هذا التحوّل الغربي، يقف الفكر الإسلامي اليوم عند مفترق تاريخي بالغ الحساسية يواجه فيه أزمتين كبيرتين:
(1) الضغط الخارجي (هيمنة المادّية) : الهيمنة الكاسحة للمادّية الطبيعية على المجال الفكري العالمي، بما تحمله من اختزال للإنسان وإقصاء للقيم؛
(2) الأزمة الداخلية (ثقل الموروث) : الأزمة المتولّدة من الموروثات الفكرية التي تشكّلت في عصر التدوين العباسي المضطرب تحت تأثير الطوائف السياسية والدينية المتناحرة، إذ ألقيت ظلال الرواسب الغنوصية والإحيائية والبدوية والوثنية وتأليه البشر على أفق المعرفة الإسلامية المعاصرة. وقد أدرك الفكر الإسلامي الحديث أنّ تجاوز هذه الأزمة الداخلية يقتضي تحرير المعرفة من أثر المرويات والرؤى التاريخية التي حجبت صفاء النصّ القرآني، والعمل على استعادة الغائية والمعنى من داخل الوحي ذاته.
إنّ ما يلفت في المشهد الفكري الراهن هو التقاطع غير المعلن والعميق بين هذين المسارين المتباعدين تاريخيا:
• المسار الغربي : الذي بدأ يشكّك في مدى كفاية المادية العلمية sufficiency بعد أن أدرك قصورها البنيوي عن تفسير الوجود والقيم، ويبحث من داخل العلم نفسه عن مخرج غيبيائي (ميتافيزيقي) من مأزق المادية؛
• المسار الإسلامي : الذي يسعى إلى تجاوز إرثٍ تقليديّ مُثقَل، بات عاجزا عن إنتاج معرفة قادرة على مخاطبة العصر، ويسعى إلى تطهير معارفه لكي يستعيد إمكانه الغيبيائي الضائع.
بين هذين التيّارين، تتشكّل اليوم ملامح أفق غيبيائي جديد، تقود إليه هشاشة المادّية من جهة، وعودة الوعي الديني المنقَّح من جهة أخرى. هذا الأفق لا يلغي العلم أو يتنكر للمعرفة التجريبية، بل يعيدها إلى مكانها اللائق ضمن منظومة أوسع، تجعل من الغيب مكوّنا بنيويا في فهم الوجود، لا مجرّد عنصر خارجي مضاف إليه. إنَّ بناء هذا الأفق لا يمكن أن يتحقق إلا عبر وعي مزدوج: وعي بأزمة المادّية الطبيعية وحدودها، ووعي بأزمة التراث الإسلامي الداخلي الذي يحتاج إلى غربلة جِذْرانية وإعادة تأسيس ضمن إطار قرآني نقيّ. وعند هذه النقطة، يصبح التقاطع بين نقد المادّية في الفلسفة العلمية الحديثة ورؤية أسلمة المعرفة ليس مجرّد صدفة، بل ملامح نهاية مرحلة وبداية أفق معرفي جديد قد يعيد للإنسان موقعه المركزي بوصفه كائنا ذا غاية وقيمة، ومفتاحا لفهم الكون لا شاهدا على عبثه.
الفلسفة العلمية الحديثة : التراجع النسبي للاستعلاء المادّي
شهدت الفلسفة العلمية في القرن العشرين تحوّلا عميقا كشف الحدود البنيوية للمادّية الطبيعية التي حكمت الفكر الغربي منذ عصر النهضة، إذ بدأت علوم الريزياء الحديثة، والحِياوة النظميّة، ونظريات التعقيد، والكينياء الجديدة cosmology، تُظهر أنّ النموذج الآلي الاختزالي الذي تأسّس مع بيكون وغاليليو ونيوتن لم يعد قادرا على تفسير بنية الواقع، ولا على استيعاب ظواهر التنظيم الذاتي، أو نشوء الحياة، أو طبيعة الوعي. وقد تزامن هذا التحوّل مع بروز تيّار فلسفي علمي جديد يتّسم بما يمكن تسميته بالتراجع النسبي للاستعلاء المادّي، أي الاعتراف المتنامي من داخل العلم نفسه بأنّ المادة والقانون الطبيعي وحدهما لا يكفيان لتفسير الوجود بوصفه نظاما بالغ التعقيد.
لم يصل هذا التيّار الفكري الجديد إلى الحدّ الذي يمكن اعتباره تيّارا فلسفيا عامّا متماسكا، بل هو أقرب إلى محاولة بعض العلماء الجمع بين العلم والإيمان المسيحي الفطري، في إطار موقف معرفي متحفّظ تجاه الغيب والغايات العليا. بهذه الطريقة، يمكن النظر إلى هذه الفلسفة العلمية الحديثة على أنّها محاولة للانفتاح على الغيب والقيم ضمن النسق المادّي الطبيعي نفسه، وهي استمرار منطقي للجهود الغربية في معالجة المأزق الذي يواجهه الفكر المادّي: فهو قادر على شرح الظواهر، لكنّه عاجز عن إنتاج معنى وقيم متماسكة، ما يفرض دمج أفق معرفي أوسع يتجاوز حدود الطبيعة الصرفة. يقول جون سوليفان: لقد أصبح العلم واعيا بذاته ومتواضعا نسبيّا، ولم نَعُد نُلقَّن اليوم أنّ المنهج العلمي هو الطريق الوحيد لاكتساب المعرفة عن الحقيقة. Sullivan, The Revolution in Science, 1933. ومن حسن الحظّ، فإنّ هذه الفلسفة العلمية الجديدة، التي تعترف بوجود حدود للمعرفة البشرية، قد تفتح المجال للإيمان الديني، وتمنح الإنسان أفقا أرحب للنظر إلى معنى الحياة وهدفها وقيمها، بعيدا عن الطرح المادّي الصرف الذي يقتصر على تفسير الظواهر الطبيعية.
تبرز ضمن هذا المسار أعمال عدد من العلماء الذين حاولوا تجاوز حدود الاختزال المادّي، ليس بالعودة إلى الغيب صراحة، بل من خلال إظهار الحاجة إلى غيبياء جديدة تتّسع للظواهر التي يتعذّر تفسيرها ضمن النموذج الآلي. ويُعدّ ادغار موران أحد أبرز هؤلاء؛ فقد قدّم في نظريته حول التنظيم غير القابل للاختزال non-réductionnisme نقدا جوهريا للفكرة القائلة بإمكانية فهم النظام الحِياوِي أو الاجتماعي من خلال عناصره الأوّلية وحدها. يؤكّد موران أن الظواهر المعقّدة تحوي خصائص منبثقة emergent properties لا يمكن تفسيرها عبر تحليل العناصر منفردة، وأنّ فهم الواقع يقتضي الانتباه إلى العلاقات والدورات السببية الراجعة والتنظيم الذاتي؛ وهي مفاهيم غيبيائية بامتياز تُزعزع جوهر الآلة المادّية.
وتتجاوب أعمال ستيوارت كوفمان مع هذا الاتجاه عبر نظريته في التنظيم الذاتي self-organization والعفوية المبدعة في الطبيعة، إذ يرى أنّ الحياة ليست نتاجا للصدفة العمياء ولا للحتمية القينيائية (الميكانيكية)، بل نتيجة احتراكات تنتج النظام من داخلها بطرق لا يمكن للريزياء التقليدية احتواؤها. أمّا ميلر وروادّ الحِياوة النظميّة systems biology فيرون أنّ الخلية ليست مجرّد مادّة، بل هي شبكة معلومات وتنظيم ووظائف، أي إنّها نظام لا تُختزل بِنْيته في الكيمياء وحدها؛ وهذا يفسح المجال لقراءة جديدة للوجود تعتمد مفاهيم البنية، والمعلومة، والغاية الوظيفية، وكلّها مفاهيم لم يكن لها موضع داخل المادّية الصارمة.
هذه الجهود لا تمثّل عودة إلى الدين، لكنها تُظهر بصورة جليّة أنّ المادّية الطبيعية بلغت حدود تفسيرها، وأن العلم نفسه بدأ يقرّ بوجود مستويات من التعقيد والتنظيم لا يمكن ردّها إلى المادّة وحدها. إنّها محاولة داخل الفكر الغربي لإنقاذ العلم من أزمته المعرفية عبر تطوير أفق غيبيائي جديد، يعترف بتعدّد مستويات الواقع، وبأنّ الوجود أكثر ثراءً من الاختزال القينيائي الذي حكم القرون الماضية.
إنّ هذا التحوّل —المتمثّل في الاعتراف بحدود المادّة، وبالحاجة إلى تفسير يتجاوزها— يكشف أنّ المركزية المادّية التي سادت العصر الحديث بدأت تفقد يقينها القديم. وهذا ما يفسّر تلاقي هذا التيار العلمي النقدي مع تيارات فكرية دينية —مثل مشاريع إسلامية المعرفة— التي تشترك معه في السعي إلى تجاوز النموذج الاختزالي، وفي البحث عن رؤية كونية تستوعب الإنسان والقيم والغائية والتعقيد في سياق أشمل. وعلى هذا النحو يظهر أنّ التراجع النسبي للاستعلاء المادّي ليس مجرّد تطوّر علمي، بل هو إعادة فتح لباب الغيبياء، وبداية إعادة بناء رؤية شاملة للكون تتجاوز ضيق النموذج الطبيعي القينيائي الذي هيمن لقرون.
الفكر الإسلامي الحديث
انطلقت مساعي الفكر الإسلامي الحديث من تشخيص جذور الأزمة التي مرّت بها الأمّة عبر تاريخها وما تزال تعيشها في حاضرها، وهي أزمة يتبيّن عند التأمّل أنّ جوهرها فكريّ قبل أن تكون سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية؛ إذ تنبثق بقيّة الأزمات وتتعمّق بوصفها نتائج مباشرة لتعثّر البنية الفكرية وخللها. وقد اعتمدت هذه الجهود على مقاربة جديدة لفهم النص القرآني تقوم على استكشاف منهجيته المعرفية، وذلك من خلال إعادة ترتيب نصوصه خارج سياقات النزول الزمني التي سبقت انتقال الرسول عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى. والغاية من ذلك رفعُ التقييد التاريخي عن النص، وإبرازه بوصفه خطابًا مطلقًا منضبطًا في حروفه وكلماته وآياته وسوره وسياقاته. ويُنتظر من هذا الضبط أن يؤسّس منهجية معرفية توجّه القارئ نحو قراءة أحادية المعنى، تتقدّم بوصفها قراءة مُلزِمة للجميع، بما تقدّمه من إجابات حاسمة لنقاط الخلاف، وما تتيحه في الوقت ذاته من كشفٍ معرفي يُراد له أن يهدي إلى الدين الحقّ.
محاولة تطبيقية للفكر الإسلامي الحديث
تكمن أزمة العلم الغربي في عدم قدرته على التمييز بين المجالات المختلفة للوجود، فهو لم يستطع إدراج الغيب كبُعد ثالث في منظومته الفكرية، —على الرغم من بعض المحاولات كمحاولة بيار جانيه— فتخلّص منه نهائيا واكتفى بما تعطيه له حواسّه الخمس، كما لو أنّه حاول قياس الحرارة بالرطل، فلمّا تعذّر عليه ذلك قرّر إلغاء مفهوم الحرارة من الوجود، ليس لأنّ الحرارة معدومة بل لأنّها لا تصلح للقياس بالأرطال. أمّا الهدف الأساسي للفكر الإسلامي الحديث، فهو الخروج من هذا العالم ثنائي الأبعاد حيث الجدل محصور بين الإنسان والطبيعة، إلى عالم ثلاثي الأبعاد يضاف إليه بُعد الغيب، ليكتمل بذلك نسق الجدليات وتبرز حقيقة الوجود على أصله، وهو تحدٍّ كبير وطموح بعيد المدى، لأنّه يجب أن يرضي العقل والإيمان معا.
لقد بذل العديد من الباحثين العرب والمسلمين جهودا جبّارة في إطار إسلامية المعرفة، سعياً لفكّ الارتباط بين العلوم التجريبية والتطبيقية وفلسفتها الوضعانية، وربطها بالأسس الفلسفية الإسلامية. ومن بين هؤلاء الباحثين: العطاس، والفاروقي، وأبو القاسم، والعلواني، ومحمد كمال حسن، وغيرهم. إلا أنّ هذه المحاولات بقيت غالبًا في إطار التنظير، ولم تُنتج نموذجًا تطبيقيًا يمكن من خلاله اختبار صلاحية المنهج الجديد وقدرته على تفسير الواقع.
وتُعدّ نظرية التجرسد المعرفي أو الاستعرافي على نحو أدقّ، تطبيقا عمليا يمكن إدراجه ضمن هذه الرؤية، فقد استلهمت مبدأ إسلاميا من القرآن الكريم ينص على أنّ: المعنى يسبق الوجود. تهدف هذه النظرية إلى تأصيل العلاقة بين مراتب العلم الإلهي وتجلّياتها في التجربة الإدراكية الإنسانية، من خلال تتبّع مراحل انتقال المعنى من حالاته العليا في العلم المطلق إلى حالاته الممكنة للفهم البشري عبر وسائط التجسّد والتجرّد. وتقوم النظرية على قلب التصوّر الطبيعي naturalism، الذي يرى أنّ الوجود المادّي هو الأصل وأنّ المعنى والفكر لاحقان به. فبدلا من ذلك، تؤكّد نظرية التجرسد الاستعرافي أنّ الأصل هو المعنى المطلق المتعيّن في العلم الإلهي، وأنّ الوجود المادّي ليس سوى تجسّد لهذا المعنى، ما يمنح للوجود إطارا استعرافيا متكاملا يربط بين ما هو إلهي وما هو مدرك بشريا.
ملخص عن نظرية التجرسد الاستعرافي
تقوم فكرة المعنى يسبق الوجود epistemological priority بالإطار النظري المركزي لنظرية التجرسد الاستعرافي، التي تقدّم رؤية غيبيائية للوجود تختلف جِذْرانيا عن المادّية الطبيعية، وترفض بشكل قاطع التصوّر الذي يرى أنّ الوجود يبدأ بالمادّة الصمّاء ثم يتطوّر منها الوعي والقيم لاحقا. فالنظرية تعتبر هذا الترتيب حركة خاطئة من الأسفل إلى الأعلى، وتؤكّد أنّ التعقيد المادّي، كخلايا الدماغ، لا يمكن أن يُنتج تلقائيا جوهر الوعي والقيم والغائية. فالإنكار القسري للقصدية يفقد الكون أساسه المنطقي، إذ إنّ انتظام الوجود وتناسقه، من الذرة إلى المجرّة، يدل على وجود معنى سابق تم ترميزه وتخطيطه، وليس نتيجة عشوائية صمّاء. وتسلط النظرية الضوء على مفارقة العقل في الرؤية الطبيعية، إذ يُستعمل العقل واللغة —وهما تجسيد للمعنى والقصد— لإثبات أنّ العقل ليس له قيمة مستقلّة عن المادة، ما يمثل تناقضا ذاتيا منهجيا.
وتؤكّد النظرية على التسلسل الهرمي للمراتب المعرفية، على نحو يمثّل الوجود نزولا للمعنى من مرتبته المطلقة إلى مرتبته المدركة وفق تسلسل دقيق: في مرتبة العلم المطلق يوجد المعنى الكلّي غير المتناهي، خارج الزمان والمكان ويشمل كل الاحتمالات والإمكانات؛ في العلم المتحقّق يظهر المعنى المتعيّن، أي التخطيط والاختيار الإلهي لصورة محدّدة للوجود (كمفهوم أم الكتاب)، ثابت ومقصود لكنّه لم يتجسّد مادّيا بعد؛ وفي مرحلة الوجود تتحقّق لحظة التحوّل إلى واقع مدرك، إذ يظهر المعنى المتعيّن إمّا في صورة مادّية (التجسد) أو رمزية\مفهومية (التجرّد).
ولا يدرك الإنسان المعنى المطلق مباشرة، بل يتفاعل حصريا مع تجلّيات المعنى المتجسّدة أو المتجرّدة. فالتجرسد شرط للإدراك: فالمعاني لا تصبح فعّالة أو متاحة للوعي البشري إلّا إذا تمّ تمظهرها في صورة تسمح للعقل والحواسّ بالتفاعل معها. وبهذه الطريقة، يصبح الوجود المادّي مسرحا لتجسّد المعاني وليس مادّة تبحث عبثا عن معنى، وإذا اختفى المسرح (المادّة) يبقى النصّ (المعنى المتعيّن) محفوظا في مرتبة العلم المتحقّق، ومن ثمّة يعاد تفعيله مرّة أخرى للنشأة الآخرة.
ويمتدّ هذا الإطار التفسيري الموحد إلى مختلف الميادين: في الفن والعمارة والصنائع يتجسّد المعنى التِّباني أو الجمالي أو الوظيفي في صورة مرئية؛ وفي الفلسفة والتصور تُدرك المعاني المجرّدة (كالعدل أو الحبّ) وتنظّم كعلم متذهِّن؛ أمّا في التجربة الدينية فيفسّر هذا الإطار العلاقة بين الكلمة الإلهية والواقع، وكيف يمكن للمعاني المطلقة أن تتنزل في صور مدركة للإنسان، كما في آيات القرآن الكريم، ما يعيد تأصيل الغيب كحقيقة وجودية في المنظومة المعرفية.
مبدأ المعنى يسبق الوجود : في الفنّ
تقدّم نظرية التجرسد المعرفي إطارا تأويليا يشرح كيفية نزول العلم الإلهي إلى مدارك الإنسان، وكيف تُتاح المعاني المطلقة في صور مدركة ليس بانتقال في الجوهر، بل بتحوّل في الطور، من حال المتعيّن إلى حال المتجرسد. وبهذا المعنى تُسهم النظرية في تجسير الفجوة بين الفلسفة الإسلامية القديمة ومفاهيم الإدراك الحديثة، وتفتح أفقا واسعا لفهم العلاقة بين الكلمة والمعنى، وبين الصورة والمعقول، وبين المطلق والنسبي في جميع مجالات الفكر الإنساني: من الفنّ إلى العلم، وصولا إلى التجربة الدينية.
يُعدّ الفنّ أحد أبرز ميادين النشاط الإنساني التي تُترجم الداخل الذهني والعاطفي إلى وسائط مادّية؛ كالأصوات والألوان والحركات والأشكال واللغة. وهو في جوهره نشاط لا يهدف إلى منفعة مباشرة، بل إلى تحقيق غاية جمالية خالصة. ومن هنا لا يُنظر إلى العمل الفني بوصفه منتجا بصريا أو سمعيا فحسب، بل كتجلٍّ لمعانٍ كامنة تتطلّب استعدادا إدراكيا خاصّا لاستيعابها. وفي الإطار المفاهيمي لنظرية التجرسد المعرفي، يوجد العمل الفنّي بوصفه أحد أشكال التعيّن الجمالي للمعنى؛ فليست اللّاحة أو المنحوتة أو المقطوعة الموسيقية تركيبا مادّيا صِرْفا، بل هي حاملات لمعنى سابق في العلم المطلق للفنّان. وهذا العلم الكامن يشبه مجالا تجريديا تتداخل فيه الدلالات والخبرات والانفعالات والتصوّرات الجمالية، مُشكّلةً المعنى الداخلي للعمل قبل ظهوره مادّيا.
إنّ مسار تشكّل العمل الفنّي لا ينحصر في لحظة إبداعية أو مهارة صِنْعِيّة، بل ينطلق من «علم مطلق» للفنّان —وهو مطلق مجازي— تتراكم فيه خبراته الجمالية والثقافية والشعورية. وعندما تُترجم هذه المعاني إلى شكل مادّي محسوس، فهي تدخل حيّز التعيّن، غير أنّها لا تبلغ طور التجرسد إلّا في لحظة اللقاء مع المتلقّي. فالفعل الفنّي لا يكتمل إلا بقطبه الثاني؛ إذ لا تكمن حقيقة اللاحة في مادّيتها، بل في معنى متعيّن انتظارا للانبعاث. والمتلقّي لا يُنشئ العمل كما يذهب بعض منظّري الفنّ المعاصر، بل يستقبل المعنى ويعيد تفعيله في علمه المتذهّن، فيتحوّل إلى تجربة جمالية حيّة تُحدث غبطة أو دهشة أو سموّا. بهذه الرؤية، تُعيد نظرية التجرسد الاستعرافي الاعتبار إلى الطابع المعنوي للوجود الفنّي، وتكشف خطأ الرؤية الطبيعية التي تختزل الفنّ في مادّة يمكن عزلها عن ذات المُدرِك. فاللّاحة المغلقة في غرفة مظلمة لا تفقد قيمتها لغياب الضوء فحسب، بل لغياب من يُطلق الشرارة المعرفية الكامنة فيها.
وليس الفنّ انعكاسا للواقع ولا انفعالا عشوائيا، بل منظومة رمزية دقيقة تتجسّد فيها المعاني بطريقة تتيح إدراكها ومعايشتها من جديد. فالفنّان يشبه «المُنهجِل» الذي يكتب جُفْرة معقّدة داخل بناء مادّي، والمتلقّي هو «المستعمِل» الذي يُعيد تشغيل هذه الجُفرة في وعيه. وهذا ما يجعل أطوار الفنّ الثلاثة —الفكرة، التعيّن، العرض— غير كافية لشرح عمقه المعرفي، لأنّ المعنى لا يوجد في فراغ بل يتلبّس الوجود ويُجسِّده. ويشبه العمل الفنّي، وفق هذا المنظور، النهجل الحاسوبي الذي لا قيمة لمادّته في ذاتها، لكنّه يحمل جُفْرة متعيّنة تتجسّد عند التشغيل. وكذلك القصيدة والنصّ الأدبي والعلمي: كلّها تعيّنات معرفية خرجت من معانٍ مطلقة وسكنت اللغة قبل أن تتجرسد بالقراءة.
وعلى خلاف ما يراه مارسيل دوشامب حين يقول إنّ «الناظر هو من يصنع اللّاحة»، فإنّ الناظر لا يُنتج الفن بل يفعّله، ويستخرج المعنى الذي ضمّنه الفنّان في التعيّن المادّي. فاللّاحة في الظلام ليست نسخة ناقصة من الفنّ، بل هي معاني متعيّنة بانتظار من يعيد تفعيلها. واختزال الفنّ إلى مادّة مرتّبة —كما تفعل الرؤية الطبيعية— هو تقويض للجوهر المعنوي للإبداع، يشبه اختزال نهجل دقيق إلى إشارات كهربية عشوائية. أمّا مفهوم التكيّف الطبيعي، الذي يُقدّم تفسيرا للجمال والتماثل، فيواجه مأزقا حين يُعجزه تفسير الحضور الكثيف للمعاني والتناغم بين الشكل والوظيفة في الفنّ أو الطبيعة. فالجمال لا يمكن ردّه إلى الانتخاب والعشوائية، بل يتطلّب الاعتراف بأنّ المعاني تسبق وجودها العيني. وعليه، فإنّ الفنّ ليس مادّة، بل معانٍ متعيّنة تتجسّد في أشكال وتجد اكتمالها في وعي الإنسان —المبدع والمتلقّي معا. وعلى هذا النحو تعيد نظرية التجرسد المعرفي الاعتبار للإنسان بوصفه كائنا مُؤوّلا، يعبر بحار المعاني، ويجسدها ويحييها ثم يعيد صياغتها في الكون من حوله.
مبدأ المعنى يسبق الوجود : في اللغة
العَباطة كمفهوم ونقدها التأسيسي
تقوم العلامة اللغوية في المنظور الليغيائي الحديث على مجموعة من الخصائص التي تمنحها طبيعتها الوظيفية في التواصل. من أبرز هذه الخصائص الاعتباطية أو العَباطة arbitrariness، إذ إنّ العلاقة بين الدال (الصورة الصوتية أو الشكل اللفظي) والمدلول (الصورة الذهنية) لا تقوم على أي رابط طبيعي أو سببي، بل تنشأ عن اتفاق جماعي ضمن الجماعة اللغوية. بعبارة أخرى: تشير العباطة إلى طبيعة العلاقة بين الدال (الصوت أو الشكل اللفظي) والمدلول (الصورة الذهنية أو المعنى). أي أنّ الدال لا يرتبط بالمدلول برابط طبيعي أو ضروري، بمعنى أنّ الصوت الذي يُستعمل للدلالة على معنى معيّن ليس له سبب داخلي أو طبيعي يربطه بهذا المعنى، بل هو اتّفاق اجتماعي ضمن الجماعة اللغوية.
- إشكالية الاتفاق الاجتماعي : السؤال يبرز: متى اجتمعت الجماعة البشرية وتواثقت على تخصيص صوت معين لدلالة معنى محدّد؟ فالدرس اللغوي الحديث يجيب بأنَّ الاتفاق الاجتماعي لا يحدث دفعة واحدة بل هو عملية تاريخية تدريجية ومتراكمة (البدايات التلقائية أو العفوية ← التكرار والممارسة الجماعية ← التواتر والتحويل إلى عرف لغوي ← الاستمرارية عبر الأجيال).
- النقد التوقيفي : إذن، الاتفاق الاجتماعي ليس لحظة محدّدة في التاريخ، بل هو عملية متراكمة من الاستعمالات الجماعية التي تكتسب صفة الثبات داخل اللغة مع مرور الزمن. غير أنّ هذه الفرضية يعترضها إشكال كبير، لأنّ المعنى يسبق الوجود الصوتي أو اللفظي. أي قبل أن يولد أي صوت أو كلمة في اللغة، يجب أن يكون هناك تصوّر ذهني أو معنى مجرّد في ذهن الإنسان. ومن دون وجود المعنى أوّلا، يصبح الصوت بلا دلالة حقيقية، ويقع المتحدّث والمستمع في ما يمكن تسميته بالدور الممتنع عقليا. محاولة إصدار صوت بلا ارتباط مسبق بالمعنى يؤدّي إلى عدم إمكانية التواصل الفعّال. وبالتالي، المدلول المجرّد هو الأساس التوقيفي للغة، بينما الدال الصوتي هو مجرّد وسيلة لتمثيل هذا المدلول في الواقع الاجتماعي والتاريخي، وهو قابل للتحوّل، لكن لا يمكن أن يظهر إلّا بعد وجود المعنى في الذهن.
مفهوم القيمة اللغوية عند فرديناند دي سوسير
يُعدّ مفهوم القيمة value في العلامة اللغوية مفهوما محوريا عند فرديناند دي سوسير، ويتداخل مع مفاهيم مثل الوحدة والكيان العيني. يفسّر سوسير هذا المبدأ من خلال التشبيه بقطعة الفرس knight في لعبة الشطرنج. تقوم الفكرة الأساسية على أنَّ قيمة العلامة لا تُحدّد بمعزل عن باقي العلامات في النظام، بل تتأتّى من العلاقات والفروق relations and differences بينها.
توضيح سوسير (الاقتباس) : يوضّح سوسير أنَّ معنى الوحدة لا يكمن في مادّة القطعة، بل في وظيفتها داخل النسق، فيقول: «ولنأخذ قطعة الفرس، هل هو وحده عنصر في اللعب؟ بالتأكيد إنّه ليس كذلك؛ إذ إنّه في مادّيته الخالصة، وخارجا عن موقعه من الرقعة وعن شروط أخرى في اللعب؛ لا يمثّل هذا البيدق شيئا بالنسبة للاعب، ولا يصبح الفرس عنصرا واقعيا محسوسا إلّا إذا اتّخذ قيمة والتحم بها، هنا تصبح للفرس فائدة ومعنى، ولنفترض أنّ هذه القطعة أو هذا البيدق قد انكسر أثناء اللعب أو تلف؛ فهل يمكن أن نعوّضه ببيدق آخر مكافئ له؟ يقينا نعم، ويمكن أن نعوّضه ليس بفرس آخر؛ بل قد نعوّضه بشكل آخر، وقد يكون هذا الشكل لا يشبه في شيء بيدقنا المعوَّض، ومع ذلك فنحن نعلن في اطمئنان بأنّ هذا الشكل الأخير مماثل للأوّل، وذلك بشرط أن نعطيه القيمة نفسها والمعنى نفسه، وعلى هذا؛ ففي الأنساق الدلالية السيميائية (السيميولوجية) التي تترابط فيها العناصر، وتتماسك بسبب التأثير المتبادل والمتوازن وحسب قواعد مقرّرة، قد يحدث أن يختلط مفهوم الهُوّية مع مفهوم القيمة والعكس صحيح».
تطبيق القيمة على اللغة: لا يكتسب الدال signifier والمدلول signified قيمتهما من ارتباطهما المطلق بالواقع الخارجي، بل من الفروق والعلاقات مع العلامات الأخرى داخل النظام اللغوي linguistic system. على سبيل المثال، تحصل كلمة «قلم» على معناها لأنّها تختلف عن كلمات أخرى مثل «ممحاة» أو «دفتر». فقيمة أي علامة لغوية تعتمد على موقعها داخل شبكة العلامات، وليس على ارتباطها بالمعنى بشكل فردي أو مطلق.
الردّ التوقيفي ونقد التصوّر التطوّري
يشكّل مثال قطعة الفرس نموذجا أساسيا لتفسير مبدأ العَباطة والقيمة، إذ يبيّن أنّ معنى القطعة لا يُستمدّ من مادّتها أو شكلها، بل من موقعها ووظيفتها داخل نظام الشطرنج بأكمله. غير أنَّ الردّ التوقيفي يستثمر هذا المثال لتفكيك الادّعاء بأنّ القيمة تنشأ بالتجربة أو التطوّر الاجتماعي.
1- موضع الاتفاق : يتمثّل الاتفاق مع سوسير في الإقرار بأنَّ العلاقة بين الدال (مظهر القطعة) والمدلول (قيمة الحركة) هي عَباطة جزئية (الشكل قابل للاستبدال)، وأنَّ القيمة لا تُفهم إلّا ضمن البنية الكلّية للنظام.
2- نقد الأصل التأسيسي : يظهر موضع الخلاف في أصل النظام ذاته: إذ يرى المنظور التطوّري أنّ قواعد اللعبة وقيم القطع تتشكّل تدريجيا عبر العادة والخبرة، بينما يرى المنظور التوقيفي أنَّ اللعبة لا يمكن أن تبدأ أصلا من دون وجود قواعد مقصودة مكتملة تسبق اللعب، وتحدّد حركة الفرس وتمنحه قيمته. فلا يمكن للاعبين أن يدخلوا لعبة بلا قواعد وينتظروا التجربة لتكشف لهم كيفية حركة الفرس؛ فالحركة يجب أن تكون معلومة سلفا.
3- المعنى يسبق التجربة : مثال قطعة الفرس يمثل حجّة قويّة ضدّ التصوّر التجريبي التطوّري الذي يفترض أنّ المعنى يتشكّل انطلاقا من الخبرة الحسيّة أولا. فالفرس لا يستمدّ معناه من مادّته، بل من البِنية الرمزية المسبقة التي تمنح الأشياء قيمتها الوظيفية داخل نسق محدّد.
4- الاستنتاج على اللغة : إنَّ رؤية الشجرة لا تكفي لتوليد مفهوم «الشجرة» بوصفه معنى مشتركا قابلا للتواصل. فالإدراك الحسّي يزوّد العقل بمَنُول إدراكي sensory data، لكن القدرة على تحويل هذا الإدراك إلى رمز لغوي هي قدرة مؤسَّسة من قبل، وليست نتاجا للتجربة نفسها. وعليه، فإنَّ مثال الفرس يكشف أنّ المعنى يسبق التجربة وأنَّ النظام الرمزي (ميفاق الربط بين الدال والمدلول) لا يمكن أن يكون لاحقا للإدراك الحسّي، بل سابقا له. ومن ثمَّ، تتقاطع البنيوية مع النظرية التوقيفية في تأكيد أنَّ وجود نظام رمزي أوّلي هو شرط سابق لإمكان نشوء أي معنى أو تواصل، فاللغة هي الشرط الذي يجعل التجربة مفهومة أصلا.
اللغة والوجود والمعنى والقيم
يُفهم من قوله تعالى في سورة الرحمن الآية 2: علّم القرآن، أنّ المقصود هو جعله معلّماً، أي موسوما بعلامات ودلالات منتظمة يُهتدى بها، على نحو ما تقوله العرب في قولهم علّمت المكان أي وضعت فيه علامات تميّزه، ووفق ما يشير إليه قوله تعالى في سورة النحل الآية 16: وعلامات وبالنجم هم يهتدون. فالتعليم هنا هو تصيير القرآن بنية دلالية محكمة ذات نظام وسياق وإشارات تمكّن العقل البشري —حين يُخلق ويُمنح البيان— من فكّ هذه العلامات والاهتداء بها. وهذا المعنى ينسجم مع قوله تعالى في سورة القمر الآية 17: ولقد يسرنا القرآن للذكر، الذي يدل على التيسير والتهيئة وجعل النصّ قابلا للتلاوة والفهم والتدبر. وضمن هذا النسق يتّضح انتظام البناء الدلالي في سورة الرحمن، إذ تُقدَّم آيات الرحمة في الخلق والهداية تقديما يبرز أن القرآن، بما هو منظومة علامات ومعايير، يسبق خلق الإنسان لا في الزمن بل في الرتبة المعرفية والغاية الوجودية. فالسورة تُظهر أن الله تعالى أعد للإنسان المنهج والمعيار والهداية قبل إيجاده مادّيا، ليكون القرآن الإطار التفسيري الذي يدرك به الإنسان الكون والوجود، ويسير به في مساره الأخلاقي والمعرفي.
إنّ تقديم قوله تعالى علّم القرآن على قوله خلق الإنسان في سورة الرحمن الآية 1 إلى 4 ليس ترتيبا اعتباطيا، بل هو إعلان أنّ المعنى والهداية والغرض قد سبق بها الوجود الإنساني، فالقرآن هو المعنى السابق، والإنسان مخلوق ليكون قادرا على إدراكه بعد أن يُمنح القدرة على البيان. وبذلك تتكامل البِنْية التفسيرية: علّم القرآن أي جعله بنية دلالية معلَّمة ذات نظام ومعنى، وخلق الإنسان أي إحداث الوجود القادر على تلقي هذا المعنى، وعلّمه البيان أي منحه القدرة الإدراكية اللغوية التي تمكّنه من فكّ العلامات واستكشاف الدلالة. وهكذا يصير البيان أداة فكّ العلامات، ويصير القرآن العلامات نفسها، ويكون الخلق تهيئة للكائن الذي يقدر على بناء العلاقة بين العلامة والمعنى، وهي العلاقة المؤسّسة للوعي الإنساني ولمهمته في الوجود.
إنّ آيات سورة الرحمن: الرحمن علّم القرآن خلق الانسان علّمه البيان (الرحمن، 1-4)، تؤسّس لمنظومة وجودية واستعرافية متكاملة تبرز فيها العلاقة بين الخالق، والرسالة، والمتلقّي. إذ يتأكّد وجود تناسب وتطابق بنيوي بين تركيب الرسالة (القرآن) والقدرات الاستعرافية للمتلقّي (الإنسان)، وهو ما يُعرف بالملاءمة الغائية teleological fitness، يُفهم قوله تعالى علّم القرآن على أنّه تهيئة المنهج الإلهي وجعله نظاما من العلامات والدلالات الواضحة والمنظّمة، وهذا التركيب الكلّي للرسالة يمتاز بالتكامل (أصل التوقيف). في المقابل، يأتي خلق الإنسان مقترنا بتزويده بعلّمه البيان؛ إذ يتجاوز معنى البيان مجرّد القدرة على النطق إلى ميفاقٍ فطري يُمكّن العقل من كشف المعنى، سواء الكامن في النصّ أو في ظواهر الكون. يُثبت هذا الترتيب أنَّ الرسالة الإلهية قد كُيِّفت لتتناسب بشكل تام مع القدرات الاستعرافية المتأصّلة في الإنسان، والعكس صحيح: فالبيان خُلق ليتمكن من فك جُفْرة القرآن. هذا التناسب البِنْيوي يؤكّد أنَّ العملية الخلقية والتشريعية محكمة ومتكاملة؛ فقد أوجد الله الإنسان، وأوجد دليله ومنهجه، وجعل مفتاحه الإدراكي (البيان) متأصلا في تركيبه، ليصبح القرآن بذلك دليلا وغاية، والإنسان كائنا مزوّدا بالوسيلة اللازمة لتحقيق هذه الغاية
قوله تعالى: وعلّم آدم الأسماء كلّها ثمّ عرضهم على الملائكة (البقرة، 31)، مُشْعِرٌ بأنّ هذه الأسماء أو أنّ مسمّياتها موجودات أحياء عقلاء، محجوبون تحت حجاب الغيب، وأنّ العلم بأسمائهم يختلف عن العلم الذي عندنا بأسماء الأشياء، وإلّا كانت الملائكة بإنباء آدم إيّاهم بها عالمين وصائرين مثله متساوين له، فهذه الآية تمثّل لحظة تأسيسية في الوعي الإنساني، فهي لا تحيل إلى تعلّم العلامات اللغوية التي تُطلق على الأشياء، بل تكشف عن حدث كُنْجُدي (أنطولوجي) ليغيائي، تتجسّد فيه العلاقة الجوهرية بين اللغة والقيمة والوجود الاجتماعي. فالأسماء التي تعلّمها آدم ليست ألفاظ الأشياء كالشجرة والحجرة والقصعة والقِرْبة، كما يرى بعض المفسّرين، بل وحدات دلالية تحمل في بِنْيتها تصوّرات قيمية تحدّد الأدوار والعلاقات بين البشر، كالذي نراه في مفاهيم الأب والأم، والابن والابنة، والأخ والأخت، والجدّ والجدّة، والعمّ والعمّة، والخال والخالة، وما ينطوي عليه كلّ منها من شبكة حقوق وواجبات أخلاقية. إنّ تعليم الأسماء هنا ليس كشفا عن نظام اصطلاحي للعلامات، بل عن بِنْية معيارية تجعل من اللغة وعاءً للقيم، وعن وعيٍ تأسيسي يربط بين الكينونة الإنسانية وشرطها الاجتماعي. فالملائكة، بحكم طبيعتها المفارقة للعلاقات الإنسانية، لم تدرك هذه الأسماء القيمية، لأنّها لا تخوض تجربة الأسرة ولا تختبر مفارقاتها، في حين أنّ آدم تميّز بقدرته على تمثّل هذه المعاني التي تؤسّس للوجود الاجتماعي. وهنا يظهر الإنسان ليس بوصفه كائنا ناطقا وحسب، بل كائنا قيميّا، إذ تتجسّد في لغته البدايات الأولى لشريعة الأسرة، أي النظام الذي يقوم على توزيع الأدوار وضبط الحقوق والواجبات في أفق من المسؤولية المشتركة. بهذا المعنى، تصبح الأسماء التي تعلّمها آدم رمزا إلى أنّ اللغة لم تنشأ في فضاء محايد، بل في قلب مشروع قيمي أخلاقي. إنّها بِنْية أولى للمعنى، تجعل من التواصل الإنساني أكثر من تبادل علامات: تجعله تأسيسا لنظام من القيم يضمن إمكان الاجتماع البشري ذاته. فاللغة هنا لا تُفهم إلّا بما هي أداة للتشريع القيمي، وأفق لتجسّد الوعي الأخلاقي.
ثمّة بُعد آخر يتجلّى في دلالة الكلّية في القرآن، فهي ليست شمولا حسابيا أو إحصائيا، بل كلّية خطابية ترتبط بطبيعة البيان التشريعي. فقوله تعالى: وعلّم آدم الأسماء كلّها، لا يعني حصر جميع الألفاظ الممكنة، بل يشير إلى أنّ آدم أُوتي البِنْية الكلّية للبيان القيمي الذي ينهض عليه الاجتماع الإنساني. وهذا النمط من الكلّية نجده متكرّرا في نصوص أخرى: فموسى عليه السلام حين أُعطي الألواح، جاء فيها: وكتبنا له في الألواح من كلّ شيء موعظةً وتفصيلا لكلّ شيء (الأعراف: 145)، أي أنّ الألواح حملت البِنْية الكلّية التي يحتاجها بنو إسرائيل في مجال الهداية والتشريع. وكذلك قيل للرسول عليه الصلاة والسلام: ونزّلنا عليك الكتاب تِبيانا لكلّ شيء وهُدًى ورحمةً وبُشرى للمسلمين (النحل: 89)، أي أنّ القرآن هو المرجع الكلّي في مجال الخطاب التشريعي والبيان القيمي. وعلى هذا الأساس، فإنّ كلّية الأسماء التي عُلّمها آدم تمثّل الجذر الأول لما يمكن تسميته باكتمال البيان التشريعي في الوجود الإنساني. فهي تضع اللغة في أفق الكلّية التشريعية التي تستوعب العلاقات والمعايير القيمية الأساسية، مثلما تستوعب الشرائع اللاحقة القوانين والأحكام الضابطة لحياة الناس. فالأسماء هنا ليست معجما لغويا، بل مدخلا إلى الكلّية الخطابية التي تجعل الإنسان قادرا على أن يعيش وفق نظام قيمي متكامل، وترسم الحدّ الفاصل بين وجود الإنسان ووجود سائر الكائنات. إنّ تعليم الأسماء لآدم عليه السلام، في ضوء مبدأ الاكتمال الوظيفي، لا يمكن أن يُفهم على أنّه عملية جزئية أو تمهيدية لبناء الوعي الإنساني، بل هو اكتمال وظيفي منذ اللحظة الأولى لظهور الإنسان المكلّف، فقبل أن يتعلّم آدم الأسماء التشريعية، تعلّم اللغة قبلها التي كان يُخاطَب بها ويُخاطِب، وكما أنّ الكون وُلد مكتملا بقوانينه الأساسية، والحياة بدأت بخليّة قادرة على أداء وظائفها الحيوية، والوعي الإنساني انبثق كتجربة ذاتية كاملة تمكّن الإنسان من إدراك ذاته والعالم من حوله؛ كذلك اللغة التي مُنحت لآدم لم تكن لغة بدائية أو ناقصة، بل لغة مكتمِلة بوظيفتها التعبيرية والتشريعية.
تُعطي الآيات في سورة الرحمن (1 إلى 4) بِنْية دلالية لافتة تُقدَّم فيها المعاني على الوقائع المادّية، إذ يَرِد فعل التعليم المرتبط بالقرآن قبل الخلق نفسه: الرحمن علّم القرآن خلق الإنسان علّمه البيان. هذا الترتيب ليس أسلوبا إنشائيا فحسب، بل ينهض بوظيفة فلسفية تُبرز أن المرجعية الدلالية والمعيار القيمي سابقان على وجود الإنسان في العالم. في ضوء ذلك يمكن قراءة النص القرآني ضمن إطار الفكرة التي تعبّر عنها المقولة الفلسفية «المعنى يسبق الوجود»، أي أن القيم والمعايير والمعرفة الكلية التي يؤسّسها الوحي سابقة على حضور الإنسان الوجودي والزمني. فالآية تجعل تعليم القرآن، بما يحمله من شريعة ومعرفة وهداية، هو الأصل الأول الذي تُشتق منه إمكانات إدراك الإنسان وفهمه للعالم. ثم يأتي الخلق بوصفه تحقّقا وجوديا ثانيا في سَتَلَة منطقية تتأسّس على المعنى. وعندما يرد بعد ذلك تعليم البيان، فإنّما ليظهر أنّ ملكة التواصل والإفصاح والتعبير التي تميّز الإنسان ليست خِلقةً معزولة، بل هي امتداد لذلك الأصل الدلالي الأول الذي يمثله القرآن. وهكذا تصبح العلاقة بين الإنسان والعالم ليست علاقة وجود سابق ينتج عنه المعنى لاحقا، بل هي علاقة تأسيس دلالي سابق يهيئ الإنسان لوعيه بذاته ولانخراطه في الكون، بما يجعل الوجود الإنساني، في وظيفته الأخلاقية والمعرفية، مبنيا على بِنْية معنى سابقة عليه وموجِّهة له منذ لحظة الخلق.
- الكاتب : خضير شعبان
- التاريخ : 01\03\1447، الموافق له : 24\08\2025