التشيؤ، هو عملية التعامل مع مفهوم مجرّد كما لو كان كيانا ماديا ملموسا، ما يمنحه خصائص الشيء الحقيقي. على سبيل المثال، يُنظر إلى الأمّة أو المجتمع أو الطبقة الاجتماعية وكأنّها كيانات قائمة بذاتها، مع أنّها في جوهرها مفاهيم مجرّدة تُبنى عبر التفاعلات البشرية والمؤسّسات. قد يبدو للوهلة الأولى أنّ من السهل التمييز بين الأشياء الملموسة، مثل المنزل، وبين المفاهيم المجرّدة، مثل الانتماء الطبقي، إلّا أنّ حتّى أكثر الباحثين دقّة يعترفون بأنّ التجريدات، كالجنسية أو الهُوّية القومية، قد تمتلك تأثيرا فعليا في تشكيل الأحداث والقرارات الاجتماعية. لكن عندما يُستعمل مصطلح التشيؤ في النقاشات النقدية، فإنه غالبا ما يحمل دلالة سلبية، مشيرا إلى أنّ إضفاء الطابع الشيئي على المفاهيم قد يكون مضلِّلا، لا سيّما إذا أدّى إلى إغفال الطابع الاجتماعي أو التاريخي لتكوّنها.
التشيّؤ، هو عملية تحويل المفاهيم المجرّدة إلى كيانات تبدو وكأنّها مستقلّة عن السياق الاجتماعي الذي نشأت فيه. يحدث ذلك عندما نتعامل مع بِنَى اجتماعية، مثل: الدولة، أو السوق، أو الطبقة الاجتماعية، وكأنّها كائنات ذات وجود ذاتي، بدلا من كونها نتاجا للعلاقات والتفاعلات البشرية. هذا المفهوم يرتبط بالنقد الماركسي، إذ يشير كارل ماركس إلى أنّ الرأسمالية تعزّز التجسيد من خلال جعل العلاقات الاجتماعية تبدو كعلاقات بين الأشياء، كما في تشييء السلع commodity fetishism، إذ تُعامل المنتجات وكأنّ لها قيمة جوهرية منفصلة عن العمل الذي أُنتجت من خلاله. ليس التشيّؤ مجرّد خطأ إدراكي، بل يمكن أن يكون له آثار عملية؛ فمثلا، عندما يُنظر إلى السوق على أنّه قوّة طبيعية تحكم الاقتصاد، يُغفل دوره كنتاج لقرارات بشرية وقوانين قابلة للتغيير. وبالمثل، يمكن أن يُفضي التشيؤ إلى تعزيز البِنى السلطوية، حين يُعامل القانون أو الدولة كمطلقات غير قابلة للمساءلة بدلا من اعتبارها أنظمة قابلة للتغيير وفقا لإرادة المجتمع.
الترجمة الدقيقة لمصطلح reification هي التشيؤ لاسيّما في السياقات الفلسفية والماركسية، والذي يشير إلى تحويل العلاقات الاجتماعية إلى أشياء أو كيانات مستقلّة تبدو وكأنّها تمتلك وجودا ذاتيا. يستعمل المصطلح لوصف الظاهرة التي تجعل الأفراد يرون المفاهيم المجرّدة، مثل القانون أو الدولة أو السوق، وكأنها كيانات مستقلّة عن الفاعلين الاجتماعيين الذين أنشؤوها. لكن في بعض السياقات، قد يُفضَّل مصطلح التجسيد، لاسيّما عندما يكون المقصود هو منح فكرة مجرّدة هيئة ملموسة من دون التركيز على الطابع السلعي أو الغِنْساني أي غير الإنساني كما في الماركسية. لذا، اختيار المصطلح يعتمد على السياق: يناسب التشيّؤ النقاشات التي تنتقد تحويل العلاقات البشرية إلى علاقات بين أشياء، مثل مفهوم تشييء السلع commodity fetishism في الماركسية. التجسيد قد يكون مناسبا عند الحديث عن تحويل فكرة مجرّدة إلى شيء يبدو وكأنّه موجود بذاته، من دون أن يحمل بالضرورة دلالة سلبية أو نقدية. بالتالي، التشيؤ هو الأنسب عند الحديث عن reification في الفلسفة النقدية، بينما قد يكون التجسيد أكثر عمومية في الاستعمال. هناك فارق دقيق بين التجسيد والتشيؤ من المنظور قرآني:
- • التجسيد في القرآن مرتبط بمنح هيئة ملموسة لمفهوم مجرّد، كما في قصّة السامري الذي جسّد فكرة الألوهية في جسد العجل، «فكذلك ألقى السامري فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي» (طه، 88). أي جعله كيانا مادّيا يُرى ويُسمع صوته، وهو ما يخالف العقيدة التوحيدية التي تنزّه الله عن التشبيه والتجسيد؛
- • التشيؤ، كما ورد في قوله تعالى: قل أي شيء أكبر شهادة قل الله (الأنعام، 19)، يُظهر أنّ لفظ شيء قد اُستُعمِل للدلالة على الله، ما يعني أنّ مفهوم «الشيء» لا يقتصر على الموجودات المادّية، بل يشمل كلّ ما له وجود حقيقي، بما في ذلك الذات الإلهية، وإن كان بلا مماثلة أو تقييد بحدود المادّة.
في هذا السياق، يمكننا القول إنّ التجسيد مرتبط بمنح صورة حسّية لمجرّد، بينما يشير التشيّؤ إلى امتلاك الوجود، بغضّ النظر عن الصورة أو الكيفية. وهذا يُفسّر لماذا يُنتقد التجسيد في العقيدة الإسلامية، بينما يُستعمل مفهوم الشيء للإشارة إلى الله من دون أن يعني ذلك تحديده بصفات مخلوقة أو مادّية.
- The Sage Dictionary of Sociology Steve Bruce and Steven Yearley. SAGE Publications, 2006. London