معجم المصطلحات الكبير
جَدَلِيَّة الإِرادَة الإِلَهِيَّة والمُجْتَمَع
الاجتماع

ينصّ أحد المبادئ التأسيسية في علم الاجتماع الحديث، كما رسّخه أوغست كونت وإميل دوركايم، على ضرورة دراسة الظواهر الاجتماعية باعتبارها «أشياء»؛ أي كوقائع يمكن ملاحظتها وتحليلها تجريبيا، من دون إرجاعها إلى إرادة إلهية أو علل غيبية. ويُفهم هذا المبدأ في سياقه التاريخي والفكري على أنّه ردّ فعل على الفهم المسيحي اللاهوتي الذي كان يفسّر كل ما يحدث في الطبيعة والمجتمع بالإرادة الإلهية المباشرة. لكنّ هذا المبدأ، على الرغم من ضرورته في قطع العلاقة بين العلم والتأويلات الغيبية غير القابلة للتحقق، يُعدُّ ناقصا حين ننظر إليه من زاوية الرؤية الإسلامية التي لا تفصل بين القوانين الطبيعية والإرادة الإلهية، بل تجعل القوانين نفسها مظهرا من مظاهر هذه الإرادة.

• أولا : الإرادة الإلهية في الفهم المسيحي الوسيط – في اللاهوت المسيحي، لاسيّما خلال العصور الوسطى، كانت العلاقة بين الإله والعالم تتصف بالهيمنة المباشرة. فكلّ ما يحدث –من كوارث طبيعية، وأوبئة، وانتصارات، وهزائم– يُردّ إلى التدبير الإلهي المباشر. وبذلك، كان يُنظر إلى التاريخ والطبيعة كمسرح تتجلّى فيه الإرادة الإلهية في كلّ لحظة. ولم يكن الإنسان أو المجتمع فاعلا حرّا في هذه الرؤية، بل مجرّد كائن خاضع للقدر. وهذه النظرة كانت من العوامل التي دفعت مفكري عصر الأنوار إلى الثورة على الكنيسة، باعتبارها المعوّق الأكبر لتقدّم العلم، لاسيّما في تفسير الظواهر وفق مناهج عقلية وتجريبية. فجاءت الفلسفة الوَضْعانِيَّة –لاسيّما مع أوغست كونت– لتُعلن القطيعة مع هذا الإرث اللاهوتي، ولتطرح بديلا يُقصي الغيب عن مجال التحليل العلمي.

• ثانيا : الفلسفة الوَضْعانيّة ومبدأ الفصل – يقوم المبدأ الوضعاني في علم الاجتماع على أن الظواهر الاجتماعية –كالانتحار، والجريمة، والدين، والأسرة– يمكن دراستها كما تُدرس الظواهر الريزيائية، أي وفق علاقات سببية وتجريبية وقوانين قابلة للاختبار. ويؤكّد هذا المبدأ على وجوب فصل الظواهر الاجتماعية عن الدين والإرادة الإلهية، لأنّ إقحام الغيب في التفسير، في رأي الوضعانيين، يُبطل الطابع العلمي للمعرفة. غير أنّ هذا المبدأ، وإن كان ثوريا في سياقه الأوروبي، إلّا أنّه يُبنى على تصوّر معين للإله والكون مأخوذ من الفلسفة المسيحية. فالوضعانيّة لم تفصل الدين عن العلم فقط، بل فصلت الدين عن الوجود، وجعلت الكون قائما بذاته، مكتفيا بقوانينه، لا يحمل في ذاته أثرا للإرادة الإلهية.

• ثالثا : الرؤية الإسلامية وجدلية الإرادة والقانون – على النقيض من ذلك، تنظر الرؤية الإسلامية إلى العلاقة بين الله والكون بطريقة مختلفة تماما. فالقرآن لا يفصل بين إرادة الله وقوانين الطبيعة، بل يُظهر أنّ هذه القوانين ذاتها هي مظهر من مظاهر الإرادة الإلهية الأولى التي وضعها الله جل وعزّ يوم خلق السماوات والأرض. فالله خلق كل شيء فقدّره تقديرا، وجعل في الكون سننا لا تتغيّر: فلن تجد لسنة الله تبديلا، ولن تجد لسنة الله تحويلا (فاطر: 43)، بل إن إرادة الله في الفعل –حتى حين تكون تدخلا استثنائيا– لا تُبطل هذه القوانين، بل تعمل من خلالها، أو في لحظة خرق العادة، لا خرق القانون. ومن جهة أخرى، جعل الإسلام الإنسان حرّا في اختياره الأخلاقي، إذ يمكن أن يكون صالحا أو طالحا، وهذه الحرّية هي ما يُفسّر وجود الظواهر الأخلاقية المنحرفة –كالجريمة– من دون أن تكون هذه الظواهر مبرَّرة، بل هي جزء من تكلفة الحرّية. لذلك فإنّ الظواهر الاجتماعية لا يُشترط أن تُفسَّر بإرادة الله المباشرة، لأنّ الله قد أودع في الطبيعة وفي الإنسان ما يُنتج هذه الظواهر وفق قانون واختيار.

يقوم علم الاجتماع الحديث على المبدأ الذي يرى أنّ الظواهر الاجتماعية يمكن أن تُفهم من دون الحاجة إلى إرجاعها إلى الإرادة الإلهية، ويعتبر ذلك جزءًا من العقلانية العلمانية التي سادت بعد عصر الأنوار. لكن هذا المبدأ، في سياقه العام، لا يتعارض مع الفكر الإسلامي إذا فُهم بشكلٍ صحيح، بل يمكن فهمه بشكل مُتوافق مع العقيدة الإسلامية.

ففي الإسلام هناك ثلاث جدليات كبرى، هي: الغيب، فالله فعّال لما مريد، لكنّه لا ينقض قوانينه التي وضعها في الكون، كما أنّ هذه القوانين لا تكبّل إرادته؛ الطبيعة (الكون)، تسير وفق قوانين ثابتة لا تتغيّر، تشمل المؤمن والكافر، أي مطلقة في فعلها؛ الإنسان، مخلوق حرّ يختار بين الخير والشر، ويصنع التاريخ ويؤثّر فيه. هذه الجدليات الثلاثة لا يُلغي بعضُها بعضا، بل تتفاعل في شبكة واحدة من المعاني، أي أن إرادة الله قد تجسّدت أول مرة حين أوجد الكون ووضع فيه قوانينه، كما أنّ القوانين الطبيعية لا تُلغى حتّى عندما يتدخّل الله في مجريات الأمور (كما في المعجزات أو الهلاك الجماعي للظلمة) وإنما تجري مقاصده وفق هذه السنن، والمعجزة في هذا السياق لا تكون إلغاءً للقانون، بل هي خرق للعادة، وليس للقانون نفسه. والمعجزة بهذا الفهم، هي استثناء لا ينقض الأصل، بل يثبته. مجال علم الاجتماع ضمن هذه الجدليات هو: جدلية الإنسان بالإنسان (العلاقات الاجتماعية)، وجدلية الإنسان بالطبيعة (البيئة، والاقتصاد، والتكيّف، والإراضة الاجتماعية). أمّا جدلية الإنسان بالغيب وجدلية الغيب بالطبيعة، فغالبا ما يُقصيهما علم الاجتماع الحديث لأنّهما لا تدخلان في أدواته التجريبية، لكن من منظور إسلامي، لا تعارض بين دراسة الظاهرة من الداخل (الظاهرة كظاهرة) ومن الخارج (مقاصد الله من سنن التاريخ مثلا)، فمنهجية القرآن المعرفية لا تنفي المناهج الأخرى في فهم التاريخ والمجتمعات البشرية، ولا تلغيها سواء أكانت مادّية أم مثالية، إنّما تستوعب مقولاتها باتجاه منظور كوني، لأنّ مقولات المناهج الأخرى إنّما هي أجزاء من المنهج القرآني الكوني تُعاد منهجيا لهذه الكونية وتُضبط في إطارها. فملكة سبأ عندما قالت: إنّ الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلّة، فقد قامت بتحليل اجتماعي مبنيّ على التجربة والملاحظة، ولم تُرجع الأحداث إلى إرادة غيبية، ومع ذلك صدّق الله تحليلها: وكذلك يفعلون (النمل 34) وهذا تأييد إلهي للمنهج العقلي الذي يحلّل الظاهرة الإنسانية على أساس المعرفة المتاحة. وهذه شهادة قرآنية أيضا بأنّ الدراسة الاجتماعية يمكن أن تكون صحيحة حتّى من دون الرجوع المباشر إلى الغيب، لأنّ الله نفسه أجرى سننه في العالم بشكل يجعل فهم هذه السنن ممكنا بالعقل وحده.

الآية الكريمة: «أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنّى هذا قلّ هو من عند أنفسكم إن الله على كل شيء قدير» (آل عمران: 165) تمثّل تجلّيا بالغ الدقّة لمفهوم السننية في القرآن، أي أنّ الأفعال البشرية تخضع لقوانين طبيعية واجتماعية، وأنّ نتائجها ليست مفاجِئة ولا تعسّفية، حين تقول الآية: قلتم أنّى هذا؟ فهي تُظهر دهشة المؤمنين، كأنهم يقولون: نحن على حق! فلماذا خسرنا؟ لكن الجواب كان: هو من عند أنفسكم، لقد خالفتم قانونا اجتماعيا أو عسكريا أو أخلاقيا، فكانت هذه هي النتيجة، أي هي نِتاج مباشر لاختياراتكم وسلوككم، حتى ولو كنتم مؤمنين، فالمصيبة التي نزلت بكم في أُحُد، على الرغم من كونكم أنصار الحقّ، قد حدثت ليس لأنّ الله خذلكم عشوائيا، بل لأنّكم أنتم بخطئكم وبتقصيركم صنعتم ما قاد إليها. ثم يأتي ختم الآية: إنّ الله على كلّ شيء قدير، للتذكير بأن هذه القوانين نفسها هي من وضع الله، وأنّ نفاذها لا يعني أن الله عاجز عن التدخّل، بل اختار أن يسنّن الكون بقوانين عامّة لا تميّز بين مسلم وكافر، بل بين مصيب ومخطئ، وبين عادل وظالم. وكذلك لرفع الوهم من أنّ القوانين التي وضعها الله تُكبّله، أو أن نفاذ السنن يعني غياب القدرة. وهذا يشبه تماما الآية الكريمة التي تقول: ولا تحسبنّ الذين كفروا سبقوا إنّهم لا يعجزون (الأنفال 59)، أي لا تظنّوا أنّ الكافرين يفلتون من العقوبة أو يخرجون عن سلطان الله بسبب ما يبدو من نجاحهم أو غلبتهم. وهذا يضعنا أمام منطق رائع: الحقّ لا يُنصر بالهُوّية، بل بالسلوك، أي أن الانتماء العَقَدي لا يعفي من تبعات كسر السنن.

فالتأكيد هنا هو أن الله لم يخرج من تاريخ الكون بل هو حاضر فيه، وهو لا يترك الكون بعد خلقه بل يُدير ويسير الأحداث وفق قوانينه التي تتجسّد في السنن الطبيعية والكونية. هذه الفكرة، التي تبرز العلاقة الوثيقة بين الإرادة الإلهية والسنن الطبيعية، تتحدّى الفهم السائد في بعض النظريات العلمية والفكر الوضعاني الذي قد يعتقد أنّ الكون يعمل فقط وفق قوانينه الطبيعية من دون أي تدخل أو توجيه إلهي مستمرّ. بعبارة أخرى إن السنن الكونية أو القوانين الطبيعية التي نراها في الكون، مثل قوانين السبب والنتيجة، لا تعني أنّ الله خرج من معادلة الكون بعد خلقه. بل إنّ هذه القوانين نفسها هي إرادة الله التي تجسّدت عندما خلق الكون، وبالتالي الله هو الحاكم والموجّه لكلّ شيء في الوجود، فالله سبحانه وتعالى عندما خلق الكون، وضع فيه قوانين طبيعية يسير الكون وَفْقها، لكنّ هذه القوانين ليست عمياء أو خالية من الإرادة الإلهية أو الحكمة. على سبيل المثال، حين نلاحظ أنّ الظلم يؤدّي إلى خراب العمران، أو أنّ البغي يعود على الإنسان الباغي أولا، فإنّ هذا ليس محض صدفة، بل هو نتيجة للسنن التي وضعها الله في الكون، وهي إرادة إلهية تتجسّد في النظام الذي يسير به. ففي قوله تعالى: «يا أيها الناس إنما بغيكم على أنفسكم» (يونس، 23)، يُظهِر اللهُ هنا أنّ الظلم لا يضر سوى الشخص الظالم نفسه، أي أنّ الفعل السيء (البغي) الذي يرتكبه الإنسان يعود عليه بنفسه، إذ إنّ العدالة الإلهية في الكون تقتضي أن يكون هناك رِجاع أي ردّ فعل للأفعال التي لا تتوافق مع القوانين الكونية، هذه القوانين لا تقتصر فقط على القوانين الطبيعية مثل الجاذبية أو الحركة، بل تشمل قوانين أخلاقية واجتماعية تضمن أنّ من يظلم أو يفسد، فإن فساده سيعود عليه سواء في الدنيا أو في الآخرة. كما أنّ الآخرة أيضا تحكمها قوانين خاصّة بها، ويؤكّد الله في القرآن الكريم على هذه القوانين التي ستكون هي السبيل الوحيد للنجاة في الآخرة، وهو الإيمان بالله والعمل الصالح، وأنّ هذه القوانين لا تحابي أحدا تماما مثل القوانين الطبيعية في الدنيا، حتّى عندما يتدخّل الله جل وعز برحمته فإنّ رحمته تسلك عبر هذه القوانين نفسها ولا يخترقها الله أو ينقضها.

إذا كان الفكر الوضعاني يركّز على أنّ الكون يسير وفق قوانين ثابتة، فإنّ النظرة الإسلامية ترى أنّ هذه القوانين ليست عبثية، بل هي جزء من إرادة إلهية متواصلة تتحكّم في سير الأحداث. بمعنى آخر، التاريخ البشري ليس مجرّد سَتَلة من الأحداث العشوائية أو المتغيّرة، بل هو مسار يسير وفق إرادة الله التي تعمل في جميع الأحداث. الفكر الإسلامي يرفض الرؤية القينيائية للعالم التي تفترض أنّ الكون قد بدأ ثم تُرك ليعمل بمعزل عن أي توجيه إلهي. بل الإرادة الإلهية تتجسّد في قوانين الكون نفسها، وفي العدالة التي تحقّقها هذه القوانين، إذ لا يمكن للإنسان أن يظلم من دون أن يواجه عواقب هذا الظلم في سياق التاريخ. بعبارة أخرى أنّ القوانين الطبيعية أو الأحداث في الكون ليست تعسّفية ولا خبط عشواء، بل لكلّ حركة في الكون غاية وحكمة، لأنّ الله خلق هذا الكون بالحقّ، والصيرورة ليست مادّية تطوّرية عبثية: «وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين (38) ما خلقناهما إلاّ بالحقّ ولكنّ أكثرهم لا يعلمون (39)». (الدخان)، وهي ليست على مستوى الحركة والاتجاه فقط كما في إرادة الله التاريخية وقضائه، ولكن على مستوى المبادئ المستخلصة من تكوين الوجود وحركة ظواهره. إذن، الصيرورة البشرية والكونية في التاريخ ليست عبثية أو عشوائية، بل هي تسير وفق قوانين وضعتها إرادة الله منذ بداية الخلق. فالكون يحمل في طيّاته إرادة الله في أن يكون الظلم سببا في خراب العمران والبغي يعود على صاحبه، وأنّ الإنسان حرّ في اختياره ولكنّه في الوقت نفسه مسؤول أمام هذه القوانين. في النهاية، يمكننا أن نستخلص أنّ التاريخ البشري والكون ليسا مجرّد مجريات طبيعية عمياء، بل هما جزء من خطّة إلهية أكبر، وأنّ الإنسان ليس فقط مُقيّدا بالقوانين الطبيعية بل هو أيضا مسؤول أمام الله عن أفعاله.

على الرغم من دقّة علم الاجتماع الحديث في منهجيته وثراء أدواته، فهو يُعاني من نقص فلسفي حين يُقصي البعد الغيبي من تفسيره للظواهر الاجتماعية. وهو بذلك، وإنّ قدّم تحليلات صحيحة، إلّا أنّها تبقى غير مكتملة، لأنّها تستبعد أحد الأبعاد الأساسية التي تُشكّل الاجتماع الإنساني في عمقه: بعد الإيمان، والفطرة، والغائية. إنّ رؤية الإسلام للعالم –بما تحتويه من جدلية الغيب والطبيعة والإنسان– تُتيح إمكان تطوير علم اجتماع جديد، لا يُنكر القوانين، ولا يهمّش الإرادة. وعلى الرغم من أنّ القوانين الكونية والاجتماعية تسير على وتيرة واحدة لا تميّز بين مؤمن وكافر، فإنّ هذا الانتظام لا يعني غياب الإرادة الإلهية، بل هو تجلٍ من تجلياتها. بل العكس هو الصحيح: جريان السنن على وجهها هو دليل إحكام القدرة لا غيابها، وضبط الإرادة لا تعطّلها. إنّ خطأ الفكر الوضعاني هو ظنّه أنّ انتظام القوانين دليل على خروج الإله من التاريخ، في حين أنّ انتظامها هو وجهٌ من أوجه حكمته في إدارة الكون، وليس نقيضا لها.

 

  • الكاتب : خضير شعبان
  • التاريخ : 11\10\1446 الموافق له 09\04\2025

مصطلح قريب

لغة كلزية

the dialectic of divine will and society
مراجع

  • الذين ركبوا في السفينة، مقدمة في الاستفان، الفرنسية والكلزية مثالا. خُضير شعبان. الطبعة الأولى: 1437. ديوان اللغة العربية. الجزائر.
  • جدلية الغيب والإنسان والطبيعة، العالمية الإسلامية الثانية. محمّد أبو القاسم حاج حمد مركز دراسات فلسفة الدين في بغداد، 2004م. دار الهادي، بيروت، لبنان.
  • The Sage Dictionary of Sociology Steve Bruce and Steven Yearley. SAGE Publications, 2006. London