معجم الأبنية، هو نوع من المعجمات الصرفية العربية الذي يهتمّ بإيراد أصول الأسماء وأصول الأفعال، وحروف الزيادة، مع ترتيب للكلمات حسب الأبنية أو الصيغ الصرفية. فأبنية الأسماء في العربية وهي الأكثر إمّا ثُنائية أو ثُلاثية أو رباعية أو خماسية، وكلّ منها إمّا مجرّد أو مزيد بحروف الزيادة أو بالهاء، ثمّ أبنية الأفعال، وهي ثلاثية مجرّدة ومزيدة، ورباعية مجرّدة ومزيدة، ثم مصادر الثلاثي المجرّد ومصادر الثلاثي المزيد، ثمّ مصادر الرباعي مجرّدا ومزيدا. يلاحظ أنّ الكلمات في المعجمات اللغوية قد رُتّبت بحسب الحروف الساكنة من دون اعتبار الحركات سواء في ذلك ما قام بتجريد الكلمة من الزوائد -وهو النوع الغالب- أو ما وضع الكلمات تحت حرفها الأوّل من دون تجريدها من الزوائد. أما معجم الأبنية؛ فقد كان نوعا فريدا في بابه إذ راعى في ترتيب الكلمات الحركة إلى جانب الصوت الساكن. ولكنّه —من سوء الحظ— لم يكتب له الشيوع والشهرة نظرا لتعقّد نظامه وتركّبه من خطوات عدّة. وقد بدأ التفكير في أبنية اللغة في صورة حصر لأشكالها والتمثيل لكلّ منها في وقت مبكّر، وقد تمّ ذلك على أيدي النحاة، ثمّ تلا ذلك تخصيص بحوث للأبنية في الكتب اللغوية، وهذه لم تتّسم بطابع خاص، فمنها ما اهتمّ بذكر ألفاظ البناء والمشتبه فيها، ومنها ما تعلّق بالأبنية التي يتعدّد ضبطها، ومنها ما اختصّ بالأبنية النادرة. وقد صاحب هذه البحوث أو تلاها اتّجاه معجمي أخذ شكلين:
- أحدهما : وجّه عنايته لأبنية الأفعال والأسماء، سواء اهتمّ ببناء أو أبنية معيّنة منها أو اهتمّ بها جميعا، وهو ما أُطلق عليه اسم «معجمات الأبنية النوعية» (أحمد مختار عمر)، وسمّاه بعضهم «معجمات الأفعال»؛
- أمّا الآخر : فقد اشتمل على أبنية الأفعال والأسماء معا، وحاول حصر الكلمات المتعلّقة بكل بناء، وهو ما سُمّي باسم «المعجمات الشاملة» (أحمد مختار عمر)، أو «المعجمات الكاملة».
• معجم الأفعال — بدأ هذا النوع من المعجمات في فترة مبكّرة لا تتجاوز القرن الثاني الهجري، وقد بدأ أوّلا بشكل عناية بصيغتين اثنتين من صيغ الأفعال: فعل وأفعل، ثمّ أخذ شكل المعجم الفعلي الكامل الذي يعرض للأفعال جملة ويذكر تحت كلّ بناء ما يخصّه من الكلمات. ومن كتب النوع الأوّل: فعلت وأفعلت، لأبي حاتم (ت 255)، فعلت وأفعلت، للزجّاج (ت 311)، الأفعال الثلاثية والرباعية لابن القوطية (ت367). ومن كتب النوع الثاني: كتاب الأفعال للسرقسطي (ت 400)، كتاب أبنية الأسماء والأفعال والمصادر، لابن القَطّاع الصقلّي (ت 515)، مصادر الزوزني (ت 486)، تاج المصادر لبو جعفر (ت 544).
• المعجم الكامل أو الشامل — نجد في هذا النوع من معجمات الأبنية: ديوان الأدب، للفارابي (ت 350 أو 370)، ديوان لغات الترك، للكاشغري (ت 466)، شمس العلوم، لنشوان بن سعيد من رجال القرن السادس، مقدّمة الأدب للزمخشري (ت 538). بدأ هذا النوع من المعجمات في القرن الرابع مع بداية العصر الذهبي للمعجمات العربية، ففيه ظهر معجم الجمهرة لابن دريد، والمحيط للصاحب بن عبّاد، والبارع للقالي، وتهذيب اللغة للأزهري، والمقاييس لابن فارس، والصحاح للجوهري. وقد كان أوّل معجم كامل اتبع نظام الأبنية، هو الذي ألّفه العالم اللغوي: أبو إبراهيم إسحاق بن إبراهيم الفارابي، من تركستان من إقليم فاراب. وتلا معجمه معجمات أخرى سارت على نظام الأبنية بعضها تأثّر به، وبعضها بعد عنه قليلا أو كثيرا، وبعضها الآخر اختلف عنه اختلافا كلّيا. وتجاوز تأثير عمل الفارابي المعجمات العربية الخالصة إلى المعجمات المزدوجة اللغة كما يتّضح في ديوان لغات الترك للكاشغري، كذلك لم يقتصر أثره على المعجمات الكاملة، بل تجاوزها إلى معجمات الأفعال.
كان سيبويه أوّل من ذكر الأبنية وأوفى من سطّرها، فقد أفرد لها في كتابه أبوابا جمع فيها ما عرفه من أبنية اللغة العربية، وقسّمها تقسيما كمّيا مع فصل أبنية الأسماء عن أبنية الأفعال، وقد ذكر للأسماء 308 بناءً بين ثلاثي مجرّد ومزيد، ورباعي مجرّد ومزيد، وخماسي مجرّد ومزيد، وذكر للأفعال 34 بناءً بين ثلاثي مجرّد ومزيد ورباعي مجرّد ومزيد. ولم يكن غرض سيبويه من عمله هذا أن يحصر ألفاظ كلّ بناء، إنّما كان غرضه أن يتّجه إلى حصر الأبنية فقط لكلّ نوع منها. وأمّا النحاة الذين جاؤوا بعد سيبويه فلم يقدّموا في الموضوع شيئا ذا بال، وانحصر بحثهم على الاستدراك على سيبويه وإضافة بعض الأبنية التي تركها كابن السرّاج. وبعضهم حوّل البحث في الأبنية إلى عمليات تدريبية وافتراضات عقلية، ولم يبحث في الأبنية بحثا عمليا إيجابيا يقوم على الاستقراء والتتبّع كما فعل المبرّد.
وقد ألّف ابن القَطّاع الصقلّي مرجعا أصيلا في الأبنية، ويُعدّ عمّله مرجعا أصيلا، فهو أكمل كتاب ظهر في تاريخ العربية في مجال الأبنية على الإطلاق، فقد أورد ابن القطّاع 1055 مثالا في كتابه، في حين كان عدد الأمثلة عند سيبويه 308 مثالا فقط، وقد زاد أبو بكر السرّاج على أمثلة سيبويه 22 مثالا، وكذا كلّ من جاء بعدهما مثل أبي عمر الجرمي وابن خالويه، إلخ حيث أضافا أمثلة يسيرة. ولم يأت ابن القطّاع بهذا العدد من فراغ، وإنّما رجع إلى أقوال العلماء قبله، وعوّل في أمثلته على ما ذكروه في مصنّفاتهم، يقول ابن القطّاع: «فعوّلت في ذلك على ما ذكرته العلماء في كتبها، وفرّقتُه في تواليفها وسَطَّرَتْه في مصنّفاتها، كأبي عمر بن العلاء، ويونس بن حبيب، والخليل، وأبي زيد الأنصاريّ، وأبي عبيدة، وأبي محمّد اليزيدي، والمُفضَّل الضبي، والأصمعي، والكسائي، وأبي زياد الكلابي، وأبي عمر الشيباني، وسيبويه، والأخفش، والنضر بن شميل، وخَلَف الأحمر، وابن الأعرابي، وأبي عمرو الجرمي، وأبي عبيدة والفرّاء، واللحياني والمازني، وأبي حاتم السجستاني... إلخ». ومن هنا تأتي أهمّية كتاب ابن القطّاع، فهو كتاب عملاق، حوى بين دفّتيه آراء كلّ من سبقه في مجال الأبنية، فهو أكمل الكتب في بابه وأوفاها. ويقول عنه الربيز: أحمد محمد عبد الدائم الذي حقّقه، وعلى الرغم من عظمة كتاب ابن القطّاع، فإنّه كان غابة فيها عشوائية يتوه القارئ في أدغالها، وعلى الرغم من تحقيقي له، وما صنعته له من معجم لأبنيته وآخر لألفاظه، فإنّ الكشف فيه عن بناء أو مثال يُكلِّف الباحث جهدا ووقتا طويلا.