معجم المصطلحات الكبير
تَعَسُّفي
اللغة والأدب

في علم اللغة، تُوصف العلامة اللغوية بأنها تعسّفية arbitrary عندما لا تكون هناك صلة طبيعية أو منطقية بين شكلها وما ترمز إليه. أي أن الكلمات، ولا سيّما الأسماء، ليست مبرّرة بذاتها أو مستمدّة من خصائص الشيء الذي تشير إليه، بل تحدّد اعتباطيًا ضمن نسق لغوي معيّن. غير أنّ درجة التعسّف تختلف بين الأنظمة اللغوية؛ فاللغات التي تعتمد على الألْمِتة pictographs وهي الرموز التصويرية، إذ تمثّل العلامة شيئا بصريا، تكون أقل تعسّفا مقارنة باللغات التي تستعمل الكتابة الصوتية phonic script، إذ العلاقة بين الشكل والمعنى أكثر تجريدا. من هنا، يمكن التمييز بين نوعين من العلامات اللغوية.

  •  العلامات ذات الدافع motivated، وهي تلك التي تنشأ بسبب تشابه أو ارتباط معين بين الدال والمدلول، مثل بعض الكلمات المحاكية للأصوات onomatopoeia التي تعكس أصوات الطبيعة؛
  •  العلامات المعدومة الدافع unmotivated، وهي العلامات التي لا تستند إلى أي علاقة جوهرية بين الشكل والمعنى، بل تُقبل وَفْقَ الأعراف اللغوية والاجتماعية المتّفق عليها.

كذلك، يمكن التمييز بين ما هو طبيعي natural في اللغة، أي ما ينبثق عن روابط مباشرة بين الدلالة والصورة الصوتية، وبين ما هو اتّفاقي conventional أو عُرفي، أي ما يرسّخ عبر الممارسة الاجتماعية والاستعمال الجماعي للّغة.

يشير توماس ج. بافل Thomas G. Pavel في كتابه: عوالم خيالية fictional worlds, 1986 إلى أنّ البعض قد أساء فهم مبدأ التعسّف عند فرديناند دي سوسير Ferdinand de Saussure، ففكرة أنّ العلاقة بين الدال والمدلول اعتباطية لا تعني أنّ المعاني غير مستقرّة أو قابلة للتغيير باستمرار، بل على العكس، تصبح المعاني ثابتة ومستقرّة داخل النظام السيميائي بمجرد أن تُقبل العلامات داخل المجتمع اللغوي. وهكذا، فإنّ التعسف في العلامات اللغوية ليس مطلقا، بل يعتمد على طبيعة النظام اللغوي، ومدى قبول الأعراف الاجتماعية له، والعلاقة بين الصوت والمعنى، والتي قد تكون أكثر وضوحا في بعض الحالات وأشدّ تجريدا في حالات أخرى.

تعليق

التصنيف السيميائي للعلامات semiotic classification of signs – هو دراسة الكيفية التي تُصنَّف بها العلامات وفقا لمعانيها ووظائفها في أنظمة التواصل المختلفة. يندرج هذا التصنيف ضمن السيمياء semiotics، التي تبحث في العلامات ووظائفها ودلالاتها ضمن اللغة والثقافة. يساعد هذا التصنيف على فهم طبيعة العلامات اللغوية وغير اللغوية، وكيفية ارتباطها بالمعنى والسياق الثقافي والاجتماعي. كما يسهم في تحليل الاختلافات بين الأنواع المختلفة من العلامات، الأمر الذي يعزّز فهمنا لطريقة عمل اللغة وتطوّرها.

يمكن تصنيف العلامات دلاليا وفقا لعدة معايير، أبرزها.

- تصنيف بيرس Peirce للعلامات : قسم الفيلسوف الأمريكي تشارلز ساندرز بيرس العلامات إلى ثلاثة أنواع رئيسية بناءً على علاقة العلامة بمرجعها.

  • 1- العلامة النَّصَمِية iconic signs – هي العلامة التي تربطها علاقة شبه مباشر بما تمثّله، مثل الصور والرسابين أي الرسومات البيانية؛
  • 2- العلامة المؤشّرية indexical signs – العلامة التي تدلّ على الشيء بسبب ارتباط سببي أو مكاني، مثل الدخان الذي يدل على وجود نار؛
  • 3- العلامة الرمزية symbolic signs – وهي العلامة التي تستمدّ معناها من العُرْف والاتّفاق الاجتماعي، مثل: الكلمات، واللغات الطبيعية.

- التصنيف السيميائي للعلامات بناءً على علاقتها بالدافع والمعنى.

1- العلامة التعسفية arbitrary sign – العلامة التي لا ترتبط بأي علاقة طبيعية أو منطقية بين الدال (الكلمة أو الرمز) والمدلول (المعنى أو الشيء المشار إليه). فهي تعتمد على الاتفاق الاجتماعي ولا توجد أي ضرورة لأن يكون لها هذا الشكل تحديدا، ويوجد نوع واحد، وهو:

أ- العلامة المعدومة الدافع unmotivated arbitrary sign – هي العلامة التي لا تستند إلى أي علاقة جوهرية بين الشكل والمعنى، بل تُقبل وَفْقَ الأعراف اللغوية والاجتماعية المتّفق عليها. مثال ذلك:

  • شجرة، شمس، جبل، إذ لا يوجد سبب يجعل أصوات هذه الكلمات مرتبطة بكائن حي أو شيء، فلو اتّفق العرب على تسمية الشجرة، أَرْبَل مثلا، فستظلّ تشير إلى الشجرة.
  • • كلمة كلب في العربية، لا علاقة لها بشكل الكلب أو صوته، وهي مختلفة تماما عن chien في الفرنسية وكلمة dog في الكلزية، ممّا يدلّ على أنّ العلاقة بين الصوت والمعنى اعتباطية.
  • رمز القلب للدلالة على الحبّ، لا علاقة طبيعية بين شكل القلب البياني والحبّ نفسه، لكنّه صار مقبولا اتّفاقيا. وكذلك الأرقام والرموز التياسية.

2- العلامة الطبيعية natural sign – هي التي تستمدّ دلالتها من صلة مباشرة بينها وبين المدلول، وتنقسم إلى نوعين:

أ- العلامة الطبيعية ذات الدافع motivated natural sign – وهي التي تكون مستمدّة من الواقع أو من تشابه معيّن بين الشكل والمعنى، أي أنّ هناك علاقة طبيعية أو منطقية بين الدال والمدلول. ولكنّها محدودة فيما يتّصل بالأصوات المسموعات، كدوي الريح، وحنين الرعد، وخرير الماء، فهذا من حكاية الصوت للمعنى والمقصود بها أن يكون جرس الصوت ما يذكّر بالمقصود من الكلمة، فمثلا التكرار الذي في إخراج نطق الراء في كلمة خرير يذكّر بخرير الماء، والاحتكاك والرخاوة في نطق الحاء يذكّر بفحيح الأفعى، فمثل هذه الأصوات، وتلك الكلمات بمجرّد سماعها تعطي مدلولا طبيعيا نابعا من جرسها ووقعها الصوتي، ويحصّله الذهن بطريقة طبيعية لا منطقية ولا عرفية. مثال ذلك.

  • • الأصوات المحاكية onomatopoeia، مثل: القهقهة لصوت الضحك، والقرقرة لصوت البطن، والصرير لصوت القلم عند الكتابة، وكذلك أصوات الحيوانات، كالهرير للكلب، والصهيل للخيل، والمُواء للقطّ، والنقيق للضفدع.
  • • الإشارات اليدوية، مثل: اليد المفتوحة تعني التوقف بشكل طبيعي، لأنّها تحجب الرؤية. أو وضع الإصبع على الشفتين للدلالة على الصمت لأنّ هذا الفعل يحدث فعلا عند الطلب بعدم إصدار صوت. وكذلك الحركات الجسدية ذات الدلالة، مثل: الابتسامة للتعبير عن السرور.
  • • الألمتة pictographs، مثل: رمز المرحاض، الذي يظهر على شكل شخصين، ممّا يسهل فهم معناه من دون الحاجة إلى لغة، رمز المَرْجَلة، الذي يظهر على شكل شخص يمشي للتعبير على عبور المشاة، الأمر الذي يجعلها أكثر دلالة من مجرد كلمة مكتوبة.

ب- العلامة الطبيعية الاتفاقية conventional natural sign – هي العلامة التي بدأت بعلاقة طبيعية، لكنها أصبحت لاحقا متفّقا عليها بين الناس ولم تعد تعتمد على العلاقة المباشرة مع المدلول، بعبارة أخرى، علامة تعتمد على دافع طبيعي لكنها تستند إلى اتفاق ثقافي أو عرفي يمنحها معنى. مثال ذلك:

  • • اللون الأبيض يرمز إلى النقاء، وهذا ليس تعسفيا تماما، بل له ارتباط بالحالة الفعلية للأشياء البيضاء التي تبدو نظيفة أو طاهرة.
  • • الحمامة كرمز للسلام، فهي نفسها ليست رمزا تعسّفيا تماما، بل استُخدمت لأسباب ثقافية ودينية عبر التاريخ. أو بعض التعبيرات الثقافية، مثل: المصافحة لتحية اللقاء، ورفع اليد للتحية العسكرية.
  • • رمز الهلال والصليب الأحمرين للإسعافات الطبية، إذ استندا إلى روابط دينية وثقافية لكنّهما أصبحا اتّفاقيان عالميا.

3- العلامة النَّصَمِية iconic sign – علام تعتمد على التشابه البصري أو الصوتي مع الشيء الذي تمثّله، وتعدّ فرعا وسيطا بين العلامات الطبيعية والتعسّفية. مثال ذلك:

• الصور، والخرائط، والرَّسابِين (الرسوم البيانية)، وكذلك رسم السرير إذ يعتبر نَصَمَة يعرف بها السائح مكان النُّزُل، كما أنّ اللحية البيضاء على الممثّل هي علامة نَصَمِية للكبر في السنّ، ولكن قد تكون أيضا إشارة رمزية إلى الحكمة. والتمثيلات الصوتية، مثل: نطق بووم لمحاكاة صوت الانفجار. أو صوت محرّك السيّارة في مسرحية هو نَصَمة لصوت نفير السيّارة.

4- العلامة الإشارية أو المؤشّرية indexical sign – علامة لا تحاكي مدلولها لكنّها تعتمد على وجود ارتباط سببي أو مجاورة طبيعية معه. مثال ذلك:

• الدخان كعلامة على وجود نار، أثر الأقدام على الرمال كعلامة على مرور شخصن احمرار الوجه كعلامة على الخجل أو الحرارة، إشارة الأصبع في اتّجاه الشخص المعني، التي يقوم بها شخص عندما يُسأل عن شخص آخر «أين هو؟».

5- العلامة الرمزية symbolic sign – علامات لا تحاكي مدلولها ولا ترتبط به سببيا، لكنها تستند إلى دلالات ثقافية أو تاريخية. مثال ذلك:

• الهلال رمز للإسلام، الصليب رمز للمسيحية، الميزان رمز للعدالة.

يطبّق التصنيف السيميائي في الليغياء، وذلك عن طريق تحليل الفروق بين الكلمات المشتقّة والجامدة، أو بين الأسماء الدالّة على صفات جوهرية والأسماء الاعتباطية، وتستعمل دراسة الرموز والاستعارات في النصوص الأدبية لإضفاء معانٍ إضافية، كما تستعمل دراستها في الإعلام والدعاية لفهم كيفية توظيف الصور والشعارات في التأثير على المتلقّي. يمثّل التصنيف السيميائي أداة قوية لفهم طبيعة العلامات وأنماط ارتباطها بالمعنى، وهو مجال واسع يمتدّ عبر الفلسفة، والليغياء، والنفسياء، والاتصال. وتساعد هذه التصنيفات على فهم أعمق للغة والثقافة وكيفية تشكّل المعاني في حياتنا اليومية.

مترادف

اِعْتِباطِي

لغة كلزية

arbitrary
مراجع

  • المصطلحات الأدبية الحديثة. محمد عناني. مؤسّسة هنداوي، 2017م. يورك هاوس، شييت ستريت، وندسور، المملكة المتّحدة.