معجم المصطلحات الكبير
الأصول التوقيفية الكبرى: الكون، والحياة، والوعي، واللغة
الفكر

تكشف دراسة البدايات الكبرى للوجود عن أصول توقيفية كبرى لا يمكن للعقل البشري تفسيرها بالكامل إلا بالرجوع إلى قدرة إلهية عليا واعية. فظهور الكون بالانفجار العظيم big bang، ونشوء الخلية الأولى كأساس للحياة، وظهور الوعي البشري القادر على التجربة الذاتية subjective experience، واللغة البشرية المتكاملة منذ بداية الإنسان، كلها لحظات تأسيسية تتسم بالكمال الوظيفي، يقابل في دقته وكماله كمال الكائنات الحية نفسها. هذه البدايات ليست مجرد مراحل تطورية عشوائية، بل ترتبط بتدخل واعٍ مفترض لشرح نشأتها، إذ يشكل كل عنصر من هذه العناصر الأربعة –الكون، والحياة، والوعي، واللغة– منظومة متكاملة من الوظائف والقدرات التي تجعل الإنسان كائنًا عاقلا قادرا على التواصل والتفكير والتعبير الرمزي. وترتبط هذه الأصول الكبرى بعضها ببعض في وحدة متكاملة: فوجود لغة أولى مكتملة، وقدرة الإنسان على الوعي، والدقة في نشوء الحياة، والكمال التكويني للكون من حيث المكان والزمان والمادّة والطاقة، جميعها عناصر تتطلّب فرضية قدرة عليا لإطلاقها لأوّل مرة. ومن هذا المنظور، يتضح أن فهم هذه البدايات يشكل أساسا لفهم طبيعة الإنسان ولغته ووعيه وحياته ضمن الكون، ويؤسّس لإطار فلسفي وعلمي متكامل يربط بين هذه الأبعاد الأساسية للوجود.

تعريف : الأصول التوقيفية الكبرى

الأصول التوقيفية الكبرى، مصطلح يقصد به تلك البدايات الوجودية الأربع التي تمثّل لحظات تأسيسية في تاريخ الكينونة الإنسانية والكونية: نشأة الكون، ونشأة الحياة، ونشأة اللغة، ونشأة الوعي. وتمتاز هذه الأصول بأنّها لا تخضع للتفسير الطبيعي المحض، ولا يمكن ردّها إلى سلسلة علل داخلية متتابعة، إذ إنّ كلّ محاولة لتفسيرها من داخل النظام الكوني أو الحيوي أو الرمزي ينتهي إلى الدور أو إلى التسلسل المُتلاني (اللانهائي)، وهو ما يرفضه العقل الفلسفي والمنهج العلمي معا. بعبارة أخرى، فإنّ الأصول التوقيفية الكبرى، هي مجموعة من البدايات الأساسية للوجود، والتي يُفترض أنها لم تُخلق أو تُستنبط من النظام الطبيعي ذاته، بل وُضعت لأول مرة بواسطة قدرة إلهية عليا واعية، إذ تشكّل أساسا لا غنى عنه لكلّ ما يتبعها في الكون والحياة والمعرفة البشرية. ويشير مفهوم الأصول التوقيفية الكبرى إلى أن العقل البشري، مهما بلغ من قدراته التحليلية والملاحظة العلمية، لا يستطيع تفسير هذه البدايات بالاعتماد على قوانين الطبيعة وحدها، لأنها تتجاوز التسلسل السببي العادي، وتحتاج إلى تدخل خارجي فاعل ومعلّل أولي. إنّ هذه الأصول الأربعة توصف بالتوقيفية لأنّها من جهة عقلية ودينية لا يمكن أن تكون من صنع الإنسان أو الطبيعة العمياء، بل تتوقّف على فعل إلهي واعٍ أطلقها لأوّل مرّة. كما توصف بالكبرى لأنّها تمثّل الركائز الأساسية التي يستند إليها كل وجود لاحق: فالكون شرط الحياة، والحياة شرط الفكر والوعي، والوعي شرط اللغة واللغة شرط الثقافة والمعرفة. وبذلك، فإنّ الأصول التوقيفية الكبرى هي المسلّمات الوجودية التي لا سبيل لتفسيرها من دون افتراض علّة خارجية مطلقة، وهي التي تمنح الوجود معنى ومقصدا، وتؤكّد أنّ وراء النظام الكوني والحيوي والرمزي قدرة إلهية حكيمة أرادت أن يكون.

الأصول التوقيفية الكبرى

إنّ البحث في البدايات المطلقة يكشف عن أصول توقيفية كبرى يقف عندها العقل البشري عاجزا عن تقديم تفسير داخلي مكتفٍ بذاته، فلا يجد مخرجاً إلا بالرجوع إلى قوة إلهية واعية، تتجاوز حدود النظام الطبيعي وتمنحه انطلاقته الأولى. هذه الأصول تشكّل نقاطاً مفصلية في تاريخ الوجود، يمكن تلخيصها في أربعة محاور رئيسة:

1- نشأة الكون :

تشير الكِينِياء (علم الكونيات) الحديثة إلى أنّ الكون قد وُجد لأول مرّة في حدث يسمّى الانفجار العظيم big bang، إذ انبثق الزمان والمكان والمادّة والطاقة دفعة واحدة من حالة عدم ريزيائي. غير أنّ العلم لم يجب إلى الآن عن السؤال الغيبيائي الأعمق: لماذا وقع الانفجار أصلا؟ ولماذا من العدم؟ بل إنّ بعض الريزيائيين (مثل ستيفن هوكينغ) حاولوا تجاوز السؤال بالحديث عن قوانين كونية مكتفية بذاتها، غير أنّ هذه القوانين لا تفسّر سبب وجودها هي ذاتها، الأمر الذي يعيد السؤال إلى نقطة البداية. ومن هنا، يظلّ الكون في ظهوره الأوّل أصلا توقيفيا، لا يكتمل تفسيره إلا بعلّة عُليا خارج النسق الطبيعي.

2- نشأة الحياة :

أما الأصل الثاني فيتمثل في ظهور الخلية الأولى. فحتّى الآن، لم يتمكّن أي نموذج علمي من تفسير التحوّل من المادّة غير الحيّة إلى مادّة حيّة. إنّ الخلية –حتّى في أبسط صورها– تحمل تعقيدا مذهلا يشمل موافيق النسخ، والجُفرة الجينية، وإنتاج الطاقة، وكلّها أنظمة مترابطة لا يمكن اختزالها إلى تدرّج عشوائي محض. ويقرّ العديد من العلماء، مثل Francis Crick (مكتشف بِنْية DNA الحلزونية)، بأنّ ظهور الحياة يظلّ لغزا يتجاوز التفسير المادّي المباشر. وهذا يفتح الباب إلى القول بضرورة تدخّل خارجي واعٍ أطلق الحياة في صورتها الأولى.

3- الوعي :

الأصل الثالث هو الوعي، وهو من أعقد القضايا الفلسفية والعلمية على الإطلاق. فالوعي ليس مجرّد نشاط ريزيائي دماغي، بل يتضمّن الخبرة الذاتية subjective experience، أو ما يُسمّى في فلسفة العقل بكْوالِيا qualia، أي الإحساس الداخلي بالذات والزمن والمعنى والقيم. هذه الأبعاد لا يمكن تفسيرها بالعمليات العصبية والكيميائية وحدها، لأنّ المادّة –مهما بلغت درجة تعقيدها– لا تولّد تلقائياً حضورا ذاتيا. ولهذا سمّى ديفيد تشالمرز David Chalmers هذه الإشكالية بالمشكلة الصعبة للوعي the hard problem of consciousness، ومنذ ديكارت الذي ميّز بين الجوهر المفكّر والجوهر الممتدّ، مرورا بتوما الأكويني وصولا إلى الفلاسفة المعاصرين، ظلّ الوعي مفسَّرا بوصفه أصلاً توقيفيا يتجاوز الاختزال المادّي، ويشير إلى بُعد روحاني أودعه الله في الإنسان، جعله قادرا على الفكر، والأخلاق، واللغة، والإبداع الحضاري.

4- نشأة اللغة البشرية :

أمّا الأصل الرابع فهو اللغة، ولقد تفادى العلم الغربي الحديث –تحت ضغط منهجي– الخوض في أصل اللغة، منذ أن منعت الجمعية اللغوية الباريسية سنة 1866م أي بحث حول نشأتها. ومنذ ذلك الحين، أُدرجت المسألة ضمن الفلسفة أكثر من علم اللغة. وإذا تطرّق إليها الباحثون، فغالبا من منظور نظرية التطوّر، معتبرين أنّ اللغة نتاج تطوّر تدريجي للقدرات المعرفية والرمزية لدى الإنسان.

في الدراسات الليغيائية الغربية، يُستعمل مصطلح proto-language للإشارة إلى لغة أمّ إقليمية أو عائلية (مثل proto-indo-european أو proto-afroasiatic)، أي لغة افتراضية أعطت أصولا لعائلة محدّدة من اللغات. غير أنّ هذا لا يصل إلى افتراض وجود لغة أولى للبشرية جمعاء. بعض الباحثين مثل ديريك بيكرتون Derek Bickerton اقترحوا أنّ اللغة الأولى إن وجدت قد تكون أقرب إلى نظام مبسّط (شبيه بالرَّسِيسة pidgin)، ثم تطوّرت لاحقا إلى لغات مكتملة. ومع ذلك، فإنّ فكرة وجود لغة واحدة أولى مشتركة بين البشر جميعا تظلّ من المسائل غير المحسومة علميا، لكنّها فلسفيا تنسجم مع القانون نفسه الذي يحكم الأصول التوقيفية الأخرى: أي الحاجة إلى تدخّل خارجي واعٍ يمنح الإنسان قدرة لغوية كاملة منذ البداية، تسمح له بالتواصل والتفكير والعيش المشترك. 

اللغة البشرية وبداياتها

إنّ دراسة اللغة الإنسانية من زاوية فلسفية ومنطقية تقودنا إلى نتيجة أساسية، وهي أنّ البشرية الأولى لا يمكن أن تعيش من دون لغة متكاملة منذ البداية، لغة تسمح لها بالتعبير عن حاجاتها المَحاشية والمعنوية، وتنظيم حياتها، وبناء علاقاتها الاجتماعية. ومن هنا، تعدّدت الفرضيات في تفسير نشأة اللغة: (1) أنّها كانت في بدايتها لغة محدودة وبسيطة، كما يرى بعض الباحثين الغربيين الذين شبّهوها بالرسيسة أو النظم البدائية ذات القواعد الناقصة. (2) أو أنّها جاءت نتيجة تواضع واتّفاق بشري، أي ثمرة اصطلاح تدريجي بين الأفراد. (3) أو أنّها وُهبت للإنسان أول مرّة من قوّة إلهية عليا، على نحو نفخة روحية زوّدته بالقدرة على النطق والتعبير.

(أ) نشوء اللغة بالتطوّر

إنّ الفرضية التي ترى أنّ بدء اللغة البشرية على نحو بدائي متخلّف ثم تطوّرها تدريجيا –لا يمكن فصلها عن الإطار الفلسفي العام الذي يهيمن على الفكر الغربي الحديث، وهو إطار يقوم على خمسة أسس كبرى:

  • • التطوّر : الذي يرى أنّ جميع مظاهر الحياة، المادّية والرمزية، إنما هي نتيجة تدرّج من أشكال دنيا إلى أخرى عليا بطريقة تلقائية وذاتية، بدءا من الخلية ووصولا إلى الثقافة، بما فيها اللغة والدين والقيم؛
  • • الصراع : وهو المبدأ الذي جسّده التصوّر الماركسي للتاريخ، إذ تتطوّر المجتمعات وفق صراع طبقات اقتصادي واجتماعي، وتُردّ حتّى الأفكار العليا إلى هذا المنطق المادّي الجدلي؛
  • • الجنس : وفق المدرسة الفرويدية، التي اختزلت أغلب الظواهر النفسية والثقافية في ترسّبات ورغبات جنسية مكبوتة منذ الطفولة، بما في ذلك القيم والدين والفنّ؛
  • • النِّسْبانية : التي تنفي وجود المطلق، وتردّ المعايير والقيم والمعارف إلى سياقاتها النسبية، فلا حقيقة ثابتة ولا معنى نهائيا؛
  • • الوَضْعانية : التي تحصر المعرفة في ميدان التجربة الحسية، وتنفي إمكان تجاوزها إلى الغيبياء أو الغيب.

في ظلّ هذا الإطار، يصبح النظر إلى اللغة كظاهرة تطوّرية بدائية متدرّجة نتيجة منطقية لهذه الخلفية الفلسفية. غير أنّ هذه الفرضية تعترضها إشكالات كبرى:

أولها : أنّ السجل الإحاثي fossil record يكشف أنّ الكائنات الحيّة التي ظهرت على الأرض لم تمرّ بمراحل أوّلية غير تامّة، بل ظهرت وهي تحمل خصائصها الأساسية مكتملة وظيفيا، حتى تلك التي نصنّفها بدائية كالجراثيم أو الكائنات وحيدة الخلية؛ فهي في حقيقتها كائنات متكيّفة تماما مع بيئتها، قادرة على التكاثر والتناسل، وتحمل موافيق دقيقة للبقاء منذ لحظة وجودها. كذلك يمكن القول إنّ اللغة البشرية لا يمكن أن تظهر إلّا مكتملة. فاللغة، مثل الكائن الحي، هي نظام معقّد ومتكامل لا يؤدّي وظيفته إلّا إذا توفّرت فيه جميع عناصره الجوهرية: الأصوات، والتراكيب، والدلالات، والقواعد، والسياق، والمعجم. أي خلل في أحد هذه المكونات يُفقدها وظيفتها كوسيلة تواصل عقلية راقية. وبناءً على ذلك، لا يمكن تصوّر لغة نصف مكتملة، تماما كما لا يمكن تصوّر كائن حيّ نصف مكتمل. إن ظهور اللغة فجأة، كاملة البِنْية، هو أمر منطقي بقدر ما هو حِياوي، لأنّ كليهما –الحياة واللغة– يقوم على الكلّية الوظيفية وليس على التراكم الجزئي غير المترابط. وبعبارة أخرى، كما أن الكائنات الحية ظهرت مكتملة وظيفيا منذ البداية –بما في ذلك موافيقها الحيوية الدقيقة، وحواسها، وأصواتها– فلا بدّ أن يكون الإنسان قد وُجد منذ البدء مزوّدا بلغة كاملة. فاللغة ليست مجرّد أداة للتواصل، بل خصيصة جوهرية تميّز الإنسان عن الحيوان، وتُتيح له القدرة على التفكير المجرّد، وإدراك المعاني، ونقل المعرفة، وبناء الحضارة. وبالتالي. تماما كما لا يمكن أن يوجد كائن حيّ نصف مكتمل، لا يمكن تصوّر إنسان بلا لغة متكاملة منذ نشأته الأولى.

ثانيها : أنّه لا يمكن تصوّر لغة بدائية عقلانية تنشأ من فراغ؛ لأنّ اللغة ليست مجرّد أصوات متفرقة، بل هي نظام دلالي وقواعدي متكامل يُمكّن من التعبير عن المعنى، وتنظيم الفكر، وبناء المشترك الإنساني. فاللغة في جوهرها شرط إمكان الفكر نفسه، ولهذا يستحيل أن تكون قد بدأت كنظام ناقص ثم اكتمل مع الزمن، كما تستحيل خلية ناقصة لا تقوم بوظائفها الأساسية.

(ب) نشوء اللغة بالوضع والاصطلاح

إنّ الفرضية القائلة بأن اللغة نشأت بالوضع والاصطلاح —أي أن جماعة من البشر اجتمعوا فاتفقوا على تسمية الأشياء وتخصيص الألفاظ لمعانٍ بعينها— تواجه جملة من الإشكالات المنطقية والتاريخية تجعلها عسيرة التقبّل، بل شبه مستحيلة.

أوّلا : لم يُسجّل التاريخ الإنساني أي واقعة جماعية توضّح أنّ الناس اجتمعوا في مرحلة ما لمناقشة مفهوم بعينه ثمّ وضعوا له اسما باتّفاق منهجي واعٍ. مثل هذا المستوى من التجريد اللغوي والتسمية الدقيقة لا يظهر إلّا في مراحل متقدّمة من التطوّر الحضاري، كما شهدناه في العصر الإسلامي مع نشوء العلوم وتدوين المصطلحات، أو في العصر الحديث مع تأسيس المعاجم العلمية والفلسفية. أمّا في الأزمنة الأولى، فإنّ الحاجة إلى هذا النوع من الاصطلاح لم تكن مطروحة أصلا، إذ انشغل الإنسان بتلبية حاجاته المباشرة للبقاء، وكانت أدواته المعرفية لا تسمح بعد بممارسة التجريد المفهومي قبل التسمية.

ثانيا : تنطوي فرضية الاصطلاح على مفارقة منطقية؛ فلكي تتّفق جماعة من البشر على لفظ ومعناه، لا بدّ أن تكون بينهم وسيلة تواصل سابقة تتيح الوضوح الدلالي semantic clarity وتضمن الفهم المشترك. لكن وجود مثل هذه الوسيلة يعني أنّ اللغة قائمة بالفعل قبل أن تنشأ. وبعبارة أخرى: لا يمكن للغة أن تنشأ من الصفر عبر الاصطلاح، لأنّ عملية الاصطلاح نفسها تفترض وجود لغة سابقة. ومن دون التسليم بوجود لغة أولى توقيفية revealed/ordained language، يقع التفسير في الدور المتسلسل infinite regress الذي لا مخرج منه.

ثالثا : إنّ ظهور أي لغة جديدة لا يتم في فراغ، بل بالضرورة عبر الاستناد إلى مَحاش لغوي linguistic material سابق. كلّ لغة تُعيد تشكيل هذا المحاش وصهره لتوليد ألفاظ جديدة، لكنها لا تنفصل أبدا عن أصلها الأول. وإذا تتبّعنا هذا التسلسل إلى الوراء، فلا بد أن نصل إلى اللغة الأولى primeval language، التي لم تُستمد من أي لغة أخرى، وهو ما يفرض أن تكون توقيفية بالضرورة، وموضوعة من إرادة إلهية عليا.

رابعا : من الناحية الإناسية والحِياوية، لا بدّ أن تعود البشرية الأولى إلى أسرة إنسانية واحدة، تضمّ على الأقل ذكرا وأنثى يشكّلان نواة النسل البشري. وهذا يعني أنّ التواصل بينهما لا بدّ أن يفترض لغة مشتركة وموحَّدة، وإلّا استحال قيام حياة اجتماعية أو توريث للمعنى؛

خامسا : يترتّب على ذلك أن تكون اللغة الأولى لغة واحدة جامعة للبشرية، ورثتها عن هذه الأسرة الأولى. فمن غير المعقول أن تنشأ عدّة أسر بألسنة متفرّقة منذ البداية، لأنّ ذلك كان سيؤدي إلى تواصل غريزي محض instinctive communication، أقرب إلى إشارات الحيوان، وليس إلى لغة عقلية واعية. كما أنّه لا يصحّ منطقيا أن تهب الإرادة الإلهية لغات متباينة لكلّ أسرة على حدة، لأنّ ذلك يفضي إلى تعدّد غير منظّم، ويعيق إمكان التواصل المشترك، ويقوّض وحدة الأصل الإنساني. ومن هنا، يصبح القول بوجود لغة أولى واحدة توقيفية ضرورة منطقية وفلسفية، بل وأصل من الأصول التوقيفية الكبرى التي تشكّل شرط إمكان التواصل الإنساني والحضاري.

(ج) نشوء اللغة كهبة توقيفية

إنّ القول بأنّ اللغة البشرية الأولى لم تكن وليدة اصطلاحٍ بشري ولا نتاجا لتطوّر عفوي تدريجي، بل هبة توقيفية من قوّة عليا، ليس افتراضا لاهوتيا محضا، بل نتيجة تفرضها مجموعة من الأدلّة العقلية والواقعية، التي تكشف عن استحالة نشوء اللغة بالعشوائية أو الاصطلاح أو التطوّر البطيء.

أولا : اكتمال اللغة منذ البدء – اللغة، بخلاف أي نظام تواصلي حيواني، ظهرت مكتملة من حيث بنيتها الأساسية: أصوات منظمة وفق نسق صِيرِيائي (فونولوجي)، وكلمات ذات دلالة ثابتة، وتراكيب نحوية تتيح توليد عدد غير محدود من الجمل والمعاني، وقدرة على التعبير عن الحاضر والغائب، المحسوس والمجرّد، الماضي والمستقبل. هذه العناصر الجوهرية للغة الإنسانية لا يمكن أن تتشكّل تدريجيا من إشارات غريزية أو من أصوات مشتّتة؛ إذ إنّ أي نقص في أحد هذه الأركان يحول دون تحقّق خصيصة اللغة كأداة عقلانية للتواصل. ومن هنا كان من اللازم أن تُعطى للإنسان دفعة واحدة في صورة لغة مكتملة قابلة للاستعمال منذ اللحظة الأولى.

ثانيا : اللغة شرط إمكان الفكر – تؤكّد الدراسات الفلسفية واللسانية أنّ الفكر الإنساني ذاته مشروط باللغة؛ فالتجريد، والتصوّر، والحكم، والاستدلال لا يمكن أن يتحقّق من دون أداة رمزية تنظّم المعنى وتثبّته. وإذا سلّمنا أنّ الفكر سابق للغة، وقعنا في الدور، لأن الفكر لا يتمايز عن الإحساس الخام إلّا بالرمز اللغوي الذي يمنحه صورة واعية. وبما أنّ الفكر عنصر جوهري في الكينونة الإنسانية منذ البدء، فإنّ اللغة كانت بالضرورة حاضرة منذ اللحظة الأولى لظهور الإنسان. ومن هنا، تصبح اللغة هبة أولى، بقدر ما أنّ العقل هبة أولى.

ثالثا : استحالة التدرّج التطوّري – إنّ القول بأن اللغة ظهرت على شكل بدائي أشبه بالرسيسة ثم تطورّت تدريجيا إلى لغات معقّدة، يواجه معضلة أساسية: كلّ لغة، مهما وُصفت بالبدائية، تحتوي على نحوٍ ومعجمٍ ومعاني وظيفية تتيح لأهلها التفاهم الشامل حول حاجاتهم. إنّ ما يصفه الغربيون بالبدائي هو في الحقيقة مكتمل ضمن حدوده الوظيفية، وليس خطوة ناقصة في طريق التدرّج. بل إنّ السجل التاريخي للغات الحيّة يُظهر أنّ كلّ لغة وُجدت كانت صالحة تماما للتواصل، ولم يُكتشف في التاريخ أي بقايا لغة غير مكتملة. وعليه، فالفكرة التطوّرية في أصل اللغة لا تجد ما يسندها لا في الدليل الإناسي ولا في الدليل الليغيائي.

رابعا : وحدة الأصل اللغوي – إذا كانت الإنسانية تنحدر من أسرة بشرية واحدة، كما تثبته البحوث الجينية والإناسية الحديثة (نظرية mitochondrial eve مثلا)، فإنّ التواصل بين أفراد هذه الأسرة يفرض بالضرورة لغة موحّدة أولى. وما نراه اليوم من تنوّع لغوي لا يعدو أن يكون انبثاقا وتفرّعا عن تلك اللغة الأمّ، فاللغات تعود في أصلها إلى لغة واحدة توقيفية، تُشكّل الجذر الأوّل لشجرة الألسن البشرية.

خامسا : البعد الغائي للغة – اللغة ليست أداة نفعية فحسب، بل وعاء للمعنى، وأفق للقيم، وأداة للإبداع الشعري والمعرفي. هذه الوظائف لا يمكن ردّها إلى المصادفة أو الاصطلاح البشري؛ إذ إنّها تحمل طابعا غائيا يدلّ على أنّ اللغة أُعطيت لتخدم غاية كبرى: تمكين الإنسان من أن يكون كائنا عاقلا، أخلاقيا، قادرا على إدراك ذاته والعالم، وصانعا للحضارة.

وبناءً على ما سبق، فإنّ القول بالتوقيف لا يعبّر عن موقف إيماني فحسب، بل عن ضرورة عقلية وفلسفية وليغيائية؛ إذ لا يمكن تفسير ظهور اللغة الإنسانية من داخل النسق الطبيعي وحده، بل تفرض اللغة نفسها كأصل توقيفي عظيم، شأنها شأن نشأة الكون، وبزوغ الحياة، وبروز الوعي. فهي حلقة من حلقات الأصول التوقيفية الكبرى، التي لا يمكن أن يقوم الوجود الإنساني من دونها.

تلك اللغة الأولى التي ظهرت مع بداية الوجود البشري لا بد أن تكون إمّا إحدى اللغات التي ما تزال موجودة اليوم في شكلها المطوّر، أو لغة اندثرت ولم يبقَ منها سوى آثار ممتدّة ومتوزّعة في مختلف لغات العالم. ومن المحتمل أن كثيرا من محاشها المعجمي lexical materials قد ورثته اللغات العالمية، وانتقل إليها عبر العصور سواء بصورة مباشرة أو عن طريق التحوير الصوتي والدلالي أو الاقتراض اللغوي من لغات أخرى، في حين أنّ النحو syntax، والشِّكْلِياء morphology ربما كانا مختلفين عن النظم المعروفة اليوم.

ومع ذلك، فإنّ هذه اللغة الأولى كانت بالضرورة لغة تامّة full-fledged language تؤدّي جميع الوظائف الأساسية للتواصل الإنساني، بدءا من التعبير عن الاحتياجات المَحاشية material needs ووصولا إلى تصوير المفاهيم المعنوية المجرّدة abstract concepts وقد مكّنت الإنسان الأوّل من إدارة حياته الاجتماعية، وتنظيم شؤونه العملية، وصياغة تصوّراته الفكرية والرمزية. وبعبارة أخرى، لم تكن اللغة الأولى مجرّد أصوات بدائية مبعثرة أو إشارات غريزية عفوية، بل كانت نسقا لغويا متكاملا ذا بنية صوتية ودلالية وصرفية، تسمح للإنسان الأوّل بالتعبير عن احتياجاته المحاشية والمعنوية، وإرساء أسس التواصل الاجتماعي والتفاعل الحضاري.

فالإنسان الأوّل، من حيث ملكاته العقلية وقدراته الإدراكية، لا يختلف جوهريا عن الإنسان الحاضر، إذ ينتمي إلى السلالة الإنسانية نفسها التي وُهِبت القدرة على التجريد، والتصور، والتعبير الرمزي. ومن هنا، فإن القول بوجود لغة ناقصة أو بدائية يتعارض مع طبيعة الإنسان العاقل homo sapiens الذي ظهر مكتمل البِنْية العقلية والحيوية منذ بداياته. وقد أشار بعض الباحثين في اللِّيغِياء التطوّرية، وعلى رأسهم نعوم تشومسكي، في نظريته حول الجَرومة الكُلّانِيَّة universal grammar، إلى أنّ القدرة على اللغة جزء أصيل من البِنْية الفطرية للإنسان، وليست طارئة أو مكتسبة بالتدرّج المحض. وهذا يدعّم بشكل قاطع فكرة أنّ اللغة الأولى كانت نظاما متماسكا وكاملا، صالحا لتلبية جميع احتياجات الإنسان والتواصل الحضاري منذ نشأته الأولى.

اللغة بين الهبة الإلهية والتدرّج التطوّري: قراءة نقدية

تُظهر المقارنة بين التصوّر التوقيفي لأصل اللغة والرؤية الغربية القائمة على التطوّر والوضعانية اختلافا جوهريا في المنطلقات والنتائج. فوَفْق المنظور التوقيفي، لا بدّ أن تكون اللغة الأولى التي وُهِبت للإنسان مع بداية وجوده مكتملة الوظائف، أشبه بالكائنات الحية التي ظهرت في سجلّها الإحاثي وهي تحمل جميع خصائصها الأساسية مهيّأة للتكيّف والتكاثر. وبالمثل، فإن اللغة لم تكن أصواتا متفرقة أو إشارات بدائية، بل نظاما لغويا تامّا قادرا على التعبير عن الاحتياجات المَحاشية والمعاني التجريدية على حدّ سواء. أمّا التصوّر الغربي، فقد اتجه إلى القول بأنّ اللغة بدأت بشكل بدائي محدود لا يتجاوز الاستجابات الغريزية أو الرموز العملية، ثم تطورت تدريجيا إلى أنظمة أكثر تعقيدا مع اتساع التجربة الإنسانية. وعليه، فإنّ مبدأ الاكتمال الوظيفي هو شرط عقلي ووجودي ملازم لكلّ بداية كبرى: الكون، والحياة، والوعي، واللغة. وهو ما يجعل فرضية التدرّج الناقص غير كافية لتفسير هذه الظواهر التأسيسية، ويدفع إلى القول بوجود إرادة عليا واعية أطلقتها كاملة منذ البدء.

وتكمن قوة التصوّر التوقيفي في حججه الفلسفية المانعة؛ إذ يُبيّن أن نشوء لغة بالاصطلاح أمر مستحيل منطقيا، لأن عملية الوضع اللغوي نفسها تفترض وجود لغة سابقة للتفاهم، وهو ما يُعرف بمفارقة الدور. كما أنّ القول بظهور لغات متفرّقة في جماعات بشرية متعدّدة يتعارض مع منطق وحدة الأصل البشري، إذ إنّ بداية الإنسانية لا بدّ أن تعود إلى أسرة واحدة تمثّل الجذر المشترك، ومن ثمّ فإن فرضية لغة واحدة أولى هي الأكثر اتّساقا عقليا. وإلى جانب ذلك، فإنّ اكتمال البنية العقلية للإنسان العاقل homo sapiens منذ ظهوره يجعل القول بوجود لغة ناقصة أو بدائية أمرا مناقضا لجوهر الطبيعة الإنسانية القائمة على التجريد والتصوّر والتعبير الرمزي.

وعلى النقيض من ذلك، فإنّ التصورات الغربية حول نشوء اللغة ارتبطت بالإطار الفلسفي العام للفكر الغربي القائم على التطوّر، والصراع، والنسبانية، والوضعانية. فهي تفسّر اللغة بوصفها مظهرا تطوريا تدريجيا، لكنها تبقى عاجزة عن سدّ الثغرات المنطقية والإناسية الكبرى، مثل كيفية الانتقال من أصوات غريزية عفوية إلى نسق لغوي عقلاني منظّم، أو كيفية قيام الاصطلاح من غير لغة سابقة. لذلك يمكن القول إنّ الرؤية التوقيفية، وإن كانت قائمة على استدلالات فلسفية وعقلية، فإنّها أشد تماسكا وانسجاما، لأنّها لا تكتفي بتقديم فرضية تفسيرية، بل تُظهر استحالة البدائل الأخرى، وتؤسّس لفكرة أنّ اللغة الأولى كانت هبة توقيفية متكاملة منذ البداية، توازي في اكتمالها اكتمال الكائنات الحيّة نفسها.

في الختام، تبيّن من استعراض هذه الفصول أنّ البدايات الكبرى للوجود الإنساني والطبيعي تخضع لأصول توقيفية كبرى، لا يمكن للعقل البشري أن يفسّرها بالكامل إلا بالرجوع إلى قدرة إلهية واعية خارج النظام الطبيعي. فظهور الكون بالانفجار العظيم big bang، وظهور الخلية الأولى كأساس للحياة، وظهور الوعي الذي يتجاوز التفسير القينيائي البحت للدماغ، وظهور اللغة البشرية، جميعها لحظات تأسيسية تنطوي على كمال وتكامل وظيفي منذ البداية، ولا يمكن اختزالها إلى مجرد عمليات عشوائية أو تطور تدريجي محض. وتشير دراسة اللغة البشرية إلى أنّ اللغة الأولى كانت متكاملة منذ ظهور الإنسان الأول، قادرة على التعبير عن جميع احتياجاته المَحاشية والمعنوية، ومؤسّسة للتواصل الاجتماعي، ولا تختلف جوهريا عن اللغة التي نعرفها اليوم من حيث الوظائف الأساسية للتواصل والتفكير.

وهذا يعكس الطابع الفطري للقدرة على اللغة، بما يدعم رؤية أن الإنسان منذ البداية كان كائنا عاقلا قادرا على التجريد، والإدراك الرمزي، وبناء الحضارة، وأنّ اللغة ليست نتيجة تدرّج تاريخي فحسب، بل هبة توقيفية تمنح الإنسان القدرة على المعنى والفهم والتعبير. إنّ الجمع بين هذه الأصول التوقيفية الكبرى الأربعة –الكون، الحياة، الوعي، اللغة– يرسم إطارا موحّدا لفهم البدايات الكبرى للوجود الإنساني والطبيعي، ويؤكّد أنّ هذه العناصر لا تتكوّن تلقائيا، بل تستلزم تدخلا واعيا فائقا، يوفّر المِهاد الممكن لبناء الحضارة الإنسانية، وتفسير العلاقة بين الإنسان والطبيعة والقدرة على الفكر واللغة والمعنى. ومن هذا المنظور، تتّضح أهمّية دراسة هذه الأصول ليس فقط على الصعيد الفلسفي أو الديني، بل أيضا على صعيد العلوم الإنسانية والليغياء، لما لها من أثر في فهم جذور التواصل الإنساني والوعي واللغة، وعلاقتها بالوجود الكوني والحيّ.

 

  • الكاتب : خضير شعبان
  • التاريخ : 01\03\1447، الموافق له : 24\08\2025

تعليق

✦ انطلاقا مما تقدّم، فإنّ هذه الحُجج تبيّن أنّ اللغة –مثلها مثل الحياة والوعي– لا يمكن أن تُفهم إلا في إطار نسق مكتمل منذ بدايته، إذ يستحيل عقلا أن يبتكر الإنسان لغة جديدة كليّا في غياب لغة سابقة يستند إليها. فشرط التواصل نفسه يقتضي وجود قاعدة مشتركة من الألفاظ والدلالات، وإلّا استحال التفاهم أصلا. غير أنّ هذه الحجج تظلّ ذات طبيعة فلسفية ومنطقية في جوهرها؛ فهي لا تقدّم وصفا تاريخيا أو برهانا تجريبيا مباشرا عن شكل اللغة الأولى أو خصائصها، بقدر ما تُبرز الشروط العقلية الضرورية التي تجعل افتراض لغة أولى تامّة أمرا لا غنى عنه لفهم نشأة التواصل البشري. ولتجاوز هذا الإشكال تُطرح اللغة السَّفَنِيَّة كلغة أولى للبشرية جمعاء. واللغة السَّفَنِيَّة التي نتكلّم عنها هي اللغة العربية التي نعرفها اليوم (ويمكن الرجوع إلى كتاب: مقدمة في الاستفان، للاطلاع على الأدلة اللغوية والتأثيلية التي تبرهن على صدق هذه الدعوى). وقد نُسبت إلى السفينة على القياس لكونها لغة البشر الأولى، بقيت على ألسنة أولئك الذين نجوا من الطوفان في الزمن الأوّل بسفينة نوح عليه السلام، وهم الذين حملوها معهم بعد ذلك حينما انتشروا في الأرض. وتختلف السفنية عن اللغة العربية في بعض الأمور منها: أنّ السفنية لا تحتوِي على ألفاظ مُقترَضة فكلّ ما كان فيها أصيل، على العكس من العربية التي ضمّت ألفاظا عجمية اقترضها العرب من الشعوب المجاورة لهم، كما أنّ العرب أسقطوا بعض الألفاظ من الاستعمال واستحدثوا ألفاظا جديدة لم تُعرف من قبل، إلّا أنّ نحوها وشكلياءها بقيا على عهدهما الأوّل مثلما كانا في لغة الإنسانية الأولى.

✦ ينصّ مبدأ الاكتمال الوظيفي على أنّ كلّ ظاهرة تأسيسية كبرى في الوجود لا يمكن أن تنشأ إلّا وهي مكتملة الوظائف منذ لحظة ميلادها الأولى، إذ تؤدّي دورها الطبيعي كاملا من دون المرور بمراحل ناقصة أو غير فعّالة. فالبدايات الكبرى ليست تجارب أوّلية أو محاولات غير مكتملة، بل هي انبثاقات مكتملة البِنْية والقدرة على الفعل. فالكون، لم يظهر في صورة فوضوية أو بقوانين ناقصة، وإنّما انبثق مع لحظة الانفجار العظيم مزوَّدا بالقوانين الجوهرية التي تحدّد بنيته: المكان والزمان والطاقة والمادّة، وهي المنظومة التي مكّنته من الاستمرار والتطوّر منذ اللحظة الأولى. وكذلك الحياة لم تنشأ بكائن عاجز عن أداء شروطها الأساسية، بل تجسّدت في أول خلية حيّة مكتملة القدرة على التغذية والتكاثر والتكيّف مع محاطها الطبيعي، ممّا منحها قابلية البقاء والاستمرار. والأمر نفسه ينطبق على الوعي؛ فهو لم يطلّ كحالة إدراكية مشوشة أو غير ذات معنى، بل ظهر منذ بدايته كتجربة ذاتية متكاملة مكّنت الإنسان من الوعي بنفسه وبالعالم المحيط به، أي من الدخول في علاقة إدراكية ومعرفية منظمة مع الوجود. أمّا اللغة، باعتبارها الخصيصة الإنسانية الفارقة، فلا يمكن أن تكون قد بدأت في صورة أصوات بدائية أو إشارات غير كافية للتواصل، إذ لا تُسمّى لغة إلّا إذا استوفت شروطها الوظيفية الأساسية: التعبير عن المعنى، ونقل الأفكار، وبناء التواصل الجماعي. من هنا، فإنّ اكتمالها الوظيفي منذ لحظة ظهورها الأولى ليس فرضية بل شرط لازم لتعريفها لغة بالمعنى الحقيقي. وعليه، فإن مبدأ الاكتمال الوظيفي يكشف عن خصيصة عقلية ووجودية ملازمة للبدايات الكبرى: الكون، الحياة، الوعي، اللغة. وهو ما يجعل التفسيرات التي تقوم على التدرّج الناقص أو المراحل غير المكتملة غير كافية لتفسير هذه الظواهر التأسيسية؛ إذ لا يمكن أن تؤدّي وظيفة أساسية عبر موافيق غير مكتملة. ومن ثمّ، يفتح هذا المبدأ المجال للتفكير في وجود إرادة عليا أو عقل كليّ واعٍ، أطلق هذه الظواهر الكبرى منذ البداية على نحو مكتمل، لتؤدّي وظائفها كاملة من اللحظة الأولى.

يُعدّ مبدأ النظام غير القابل للاختزال أو التعقيد غير القابل الاختزال irreducible complexity كما صاغه مايكل بيهي Michael Behe في دراساته حول الحِياوة الجزيئية أحد أهمّ الأسس التي تُبرهن على أنّ بعض النظم الطبيعية لا يمكن أن تنشأ عبر تراكم تدريجي بطيء، بل لا بدّ أن تظهر مكتملة منذ اللحظة الأولى. فالتعقيد غير القابل للاختزال هو ذلك الذي يتكوّن من عدّة عناصر مترابطة، إذ إنّ غياب عنصر واحد منها يُفضي إلى انهيار النظام كلّه، وانعدام وظيفته. مثال ذلك الخلية الحيّة، أو موافيق التخثّر الدموي، أو جهاز الحركة في البكتيريا؛ إذ لا يمكن لأيّ منها أن يعمل بفعّالية إذا أُزيلت منه وحدة واحدة، وهو ما يجعل وجوده مرهونا بتحقّق جميع عناصره الأساسية في وقت واحد.

ينسجم هذا التصوّر مع ما يمكن تسميته مبدأ الكلّ أو لا شيء all-or-none principle، الذي ينطبق على النظم الوظيفية المعقّدة سواء في الطبيعة أو في الفكر. فالنظام إمّا أن يوجد كامل البِنْية قادرا على أداء وظيفته، أو أن يغيب تماما، إذ إنّ وجوده الجزئي لا يوفّر أيّ فاعلية حقيقية. فالخلية التي تفتقد إلى مكوّنها الحيوي الأساسي ليست خلية ناقصة، بل كيان ميت عديم الوظيفة. وكذلك الحال في أيّ منظومة وظيفية: لا معنى لها إلا إذا تكاملت مكوّناتها الأساسية. وعلى هذا الأساس يمكن تطبيق ما يُعرف بمبدأ الاكتمال الوظيفي على اللغة البشرية؛ فاللغة ليست مجموعة أصوات مبعثرة ولا إشارات غريزية عفوية، بل هي نسق متكامل يتطلّب اجتماع ثلاثة مستويات أساسية في آن واحد:

  • • البِنْية الصِّيرِيائية phonological structure : التي توفّر المادّة السمعية المميّزة للألفاظ؛
  • • البِنْية الدلالية semantic structure : التي تمنح هذه الأصوات معنى، وتجعلها حاملا للتصوّرات والمعارف؛ 
  • • البِنْية النحوية-الصرفية syntactic & morphological structure : التي تنظّم العلاقة بين الألفاظ، وتتيح بناء الجمل المعقّدة وصياغة الأفكار المركّبة.

إذا غاب أيّ من هذه المكوّنات، لا يبقى لدينا لغة بالمعنى العلمي والفلسفي، بل أصوات بلا دلالة أو إشارات غريزية محدودة لا ترتقي إلى مستوى التواصل الرمزي البشري. ومن هنا يتبيّن أنّ اللغة، شأنها شأن النظم الحِياوية غير القابلة للاختزال، لا يمكن أن تُفهم إلّا باعتبارها منظومة مكتملة منذ البداية، خاضعة لمبدأ الكلّ أو لا شيء. فهي لا تُبنى عبر تراكم تدريجي عشوائي، بل تنشأ –في أصلها الأوّل– كنظام كامل قادر على أداء وظيفته الأساسية: التعبير الرمزي والتواصل العقلي بين البشر.

لا يقتصر مبدأ الاكتمال الوظيفي في اللغة على كونها نسقا دلاليا–نحويا–صرفيا، بل يمتد ليشمل بنيتها الجِساويّة (الفيزيولوجية) التي تتجسّد في الجهاز التلغّمي articulatory apparatus فاللغة ليست مجرّد شبكة من الرموز العقلية، بل هي أيضا عملية عضوية مركّبة تتطلّب تناغما دقيقا بين أعضاء مختلفة: الرئتان كمنبع للهواء، والحنجرة والحِبال الصوتية لإنتاج النغمة الأساسية، والحلق والفم واللسان والشفتان والحنك والأسنان لضبط مخارج الأصوات وصوغها في قوالب صوتية مميّزة، هذا التضافر بين الأعضاء يكشف أنّ إنتاج الكلام عملية نظام غير قابل للاختزال irreducible complexity بالمعنى الذي أشار إليه مايكل بيهي عند وصفه للخلية الحية: أي أنّ النظام يفقد وظيفته بالكامل إذا اختلّ عنصر واحد من عناصره. فإذا تعطّل اللسان أو الحنجرة أو الجهاز التنفسي، يستحيل على الإنسان إنتاج الأصوات اللغوية المنظمة. وهنا يتجلّى مبدأ الكلّ أو لا شيء بوضوح؛ إذ لا وجود للغة نصف مكتملة على المستوى العضوي، تماما كما لا يمكن أن توجد خلية نصف حيّة.

وبالقياس نفسه، لا تعمل اللغة إن لم تجتمع بِناها الأربع الكبرى: البِنْية الصيريائية phonology، والبنية الجَرُومية syntax، والبنية الشكليائية أو الصرفية morphology، والبنية الدلالية semantics، فالنقص في أي ركن منها يجعل التواصل مستحيلا أو مضطربا. ومن ثمّ، فاللغة، شأنها شأن الكائنات الحيّة، لا بدّ أن تكون قد ظهرت متكاملة في بنيتها الصوتية والوظيفية منذ البدء، لأنّ أي نقص جوهري يجعلها عاجزة عن أداء وظيفتها الجوهرية: التواصل الرمزي بين البشر. وعليه، فإنّ إدماج الجهاز النطقي في تحليل نشأة اللغة يعزّز أطروحة التوقيف، إذ يبيّن أنّ الإنسان لم يُمنح فقط ملكة عقلية للتجريد والتصوّر الرمزي، بل وُهِب أيضا جهازا عضويا متكاملا قادرا على ترجمة هذه الملكة إلى أصوات منتظمة. إنّ اكتمال اللغة الأولية –عقليا وعضويا– هو ما يضمن لها أن تكون قابلة للاستعمال منذ اللحظة الأولى لظهور الإنسان العاقل.

✦ تمثّل الآية الكريمة: وعلّم آدم الأسماء كلّها (البقرة: 31) لحظة تأسيسية في الوعي الإنساني، فهي لا تحيل إلى تعلّم العلامات اللغوية التي تُطلق على الأشياء، بل تكشف عن حدث كُنْجُدي (أنطولوجي) ليغيائي، تتجسّد فيه العلاقة الجوهرية بين اللغة والقيمة والوجود الاجتماعي. فالأسماء التي تعلّمها آدم ليست ألفاظ الأشياء كالشجرة والحجرة والقصعة والقِرْبة، كما يرى بعض المفسّرين، بل وحدات دلالية تحمل في بِنْيتها تصوّرات قيمية تحدّد الأدوار والعلاقات بين البشر، كالذي نراه في مفاهيم الأب والأم، والابن والابنة، والأخ والأخت، والجدّ والجدّة، والعمّ والعمّة، والخال والخالة، وما ينطوي عليه كلّ منها من شبكة حقوق وواجبات أخلاقية. إنّ تعليم الأسماء هنا ليس كشفا عن نظام اصطلاحي للعلامات، بل عن بِنْية معيارية تجعل من اللغة وعاءً للقيم، وعن وعيٍ تأسيسي يربط بين الكينونة الإنسانية وشرطها الاجتماعي. فالملائكة، بحكم طبيعتها المفارقة للعلاقات الإنسانية، لم تدرك هذه الأسماء القيمية، لأنّها لا تخوض تجربة الأسرة ولا تختبر مفارقاتها، في حين أنّ آدم تميّز بقدرته على تمثّل هذه المعاني التي تؤسّس للوجود الاجتماعي. وهنا يظهر الإنسان ليس بوصفه كائنا ناطقا وحسب، بل كائنا قيميّا، إذ تتجسّد في لغته البدايات الأولى لشريعة الأسرة، أي النظام الذي يقوم على توزيع الأدوار وضبط الحقوق والواجبات في أفق من المسؤولية المشتركة. بهذا المعنى، تصبح الأسماء التي تعلّمها آدم رمزاً إلى أنّ اللغة لم تنشأ في فضاء محايد، بل في قلب مشروع قيمي أخلاقي. إنّها بِنْية أولى للمعنى، تجعل من التواصل الإنساني أكثر من تبادل علامات: تجعله تأسيسا لنظام من القيم يضمن إمكان الاجتماع البشري ذاته. فاللغة هنا لا تُفهم إلّا بما هي أداة للتشريع القيمي، وأفق لتجسّد الوعي الأخلاقي.

ثمّة بُعد آخر يتجلّى في دلالة الكلّية في القرآن، فهي ليست شمولا حسابيا أو إحصائيا، بل كلّية خطابية ترتبط بطبيعة البيان التشريعي. فقوله تعالى: وعلّم آدم الأسماء كلّها، لا يعني حصر جميع الألفاظ الممكنة، بل يشير إلى أنّ آدم أُوتي البِنْية الكلّية للبيان القيمي الذي ينهض عليه الاجتماع الإنساني. وهذا النمط من الكلّية نجده متكررا في نصوص أخرى: فموسى عليه السلام حين أُعطي الألواح، جاء فيها: وكتبنا له في الألواح من كلّ شيء موعظةً وتفصيلا لكلّ شيء (الأعراف: 145)، أي أنّ الألواح حملت البِنْية الكلّية التي يحتاجها بنو إسرائيل في مجال الهداية والتشريع. وكذلك قيل للرسول عليه الصلاة والسلام: ونزّلنا عليك الكتاب تِبيانا لكلّ شيء وهُدًى ورحمةً وبُشرى للمسلمين (النحل: 89)، أي أنّ القرآن هو المرجع الكلّي في مجال الخطاب التشريعي والبيان القيمي. وعلى هذا الأساس، فإنّ كلّية الأسماء التي عُلّمها آدم تمثّل الجذر الأول لما يمكن تسميته باكتمال البيان التشريعي في الوجود الإنساني. فهي تضع اللغة في أفق الكلّية التشريعية التي تستوعب العلاقات والمعايير القيمية الأساسية، مثلما تستوعب الشرائع اللاحقة القوانين والأحكام الضابطة لحياة الناس. فالأسماء هنا ليست معجما لغويا، بل مدخل إلى الكلّية الخطابية التي تجعل الإنسان قادرا على أن يعيش وفق نظام قيمي متكامل، وترسم الحدّ الفاصل بين وجود الإنسان ووجود سائر الكائنات. إنّ تعليم الأسماء لآدم عليه السلام، في ضوء مبدأ الاكتمال الوظيفي، لا يمكن أن يُفهم على أنّه عملية جزئية أو تمهيدية لبناء الوعي الإنساني، بل هو اكتمال وظيفي منذ اللحظة الأولى لظهور الإنسان المكلّف. كما أنّ الكون وُلد مكتملا بقوانينه الأساسية، والحياة بدأت بخليّة قادرة على أداء وظائفها الحيوية، والوعي الإنساني انبثق كتجربة ذاتية كاملة تمكّن الإنسان من إدراك ذاته والعالم من حوله؛ كذلك اللغة التي مُنحت لآدم لم تكن لغة بدائية أو ناقصة، بل لغة مكتمِلة بوظيفتها التعبيرية والتشريعية.

✦ وُلد في الفكر الغربي الحديث مصطلح إله الفجوات God of the Gaps ليصف موقفا يرى أنّ ما تعجز العلوم عن تفسيره ينبغي إحالته إلى تدخّل إلهي مباشر. غير أنّ هذا الطرح يُعدّ هشّا فلسفيا، لأنّه يربط وجود الإله بحدود الجهل البشري: فكلّما تقدّم العلم وفسّر بعض الظواهر، ضاق مجال حضور الإله في التصوّر الديني المبني على هذه الفكرة. أمّا ما نسمّيه بالأصول التوقيفية الكبرى، مثل: نشأة الكون، وبداية الحياة، وظهور الوعي، وانبثاق اللغة، فليس من جنس تلك الفجوات المؤقّتة. إنّها بدايات كُنْجُدية (أنطولوجية) مطلقة لا يقبل العقل تصوّرها من دون افتراض علّة خارجية مفارقة للطبيعة:

فالكون لا يمكن أن يفسّر ذاته من داخله، إذ يظل السؤال قائما: لماذا وُجد شيء بدلا من لا شيء؟ والحياة لا يمكن ردّها إلى التفاعلات الكيميائية المحضة، لأنّها تنطوي على مبدأ التنظيم والغائية. والوعي يتجاوز الدماغ المادّي، لأنّه خبرة ذاتية قصدية لا تختزل في المادّة. واللغة لا تُفهم كإشارات غريزية، بل كنظام رمزي تجريدي يقتضي عقلا واعيا. وعليه، فإن الحديث عن الأصول التوقيفية الكبرى ليس من قبيل الاستعانة بإله الفجوات لسدّ نقص معرفي مؤقّت، بل هو اعتراف بحدود التفسير الطبيعي في ذاته، وبأنّ ثمّة حدودا قصوى للعقل البشري لا يتجاوزها إلّا بإثبات علّة أولى خارجية، هي القدرة الإلهية.

لغة كلزية

the great revealed origins
مراجع

  • الذين ركبوا في السفينة، مقدمة في الاستفان، الفرنسية والكلزية مثالا. خضير شعبان. ديوان اللغة العربية، الطبعة الأولى، 1437. الجزائر.
  • The Thought of Thomas Aquinas. Brian Davies. Oxford University Press, 1992. Oxford, England, UK
  • There Is a God : How the World's Most Notorious Atheist Changed His Mind. Antony Flew with Roy Abraham Varghese. HarperOne, 2007. New York, USA
  • The Kalam Cosmological Argument. William Lane Craig. Wipf and Stock Publishers, 1979. Eugene, Oregon, USA