يشير التحديث إلى عملية التحوّل نحو الحداثة، لكنّه يتجاوز مجرّد التغيير الزمني ليعكس تصوّرا نظريا كان شائعا في علم الاجتماع الأمريكي خلال خمسينيات القرن العشرين، وهو أنّ بقية العالم ستسير على خطى المجتمعات الغربية، إذ تتكّرر التحوّلات التي أدّت إلى نشوء العالم الحديث في أماكن أخرى. غير أنّ هذه الرؤية تعرّضت لانتقادات واسعة خلال الستينيات والسبعينيات، إذ وُصفت بأنّها تمركزية جَناثية ethnocentrism غير مدروسة، إذ تفترض أنّ النماذج الغربية هي المسار الحتمي للتطوّر. كما أنّها تغفل حقيقة أنّ الدول التي قادت عملية التحديث فعلت ذلك بمعزل عن تأثيرات القوى العالمية والاقتصاد الدولي، بينما يواجه العديد من البلدان الأخرى تحديثا في ظلّ سياقات دولية معقّدة قد تعوق تطوّرها. إضافة إلى ذلك، تجاهلت النظرية التأثيرات السلبية للتحديث المستورد من الغرب على المجتمعات التقليدية، إذ أدّى في بعض الحالات إلى تآكل الهُوّيات الثقافية المحلّية وتعميق الفجوات الاجتماعية.
وعلى الرغم من وجاهة هذه الانتقادات، فإنّها لا تُفنّد بالكامل الفرضية الأساسية لنظرية التحديث، والتي ترى أنّ التغيّرات الهيكلية تحدث في حُزَم متداخلة interrelated clusters وليست مجرّد ظواهر عرضية مستقلّة. فعلى سبيل المثال، يُفضي التحديث الاقتصادي —المتمثّل في زيادة تقسيم العمل، والتصنيع للأسواق التجارية industrialization for commercial markets، والتطوّر الصِّنْعِيائي، والإدارة المهنية— إلى تسريع التحضر urbanization، ورفع معدّلات البَجادة literacy، وتقويض السلطة التقليدية.
ومن المؤكّد أنّ التحديث الاقتصادي لا يؤدّي بالضرورة إلى ظهور مؤسّسات ديمقراطية تمثيلية إلّا أنّ انهيار الاقتصاد السوفييتي في نهاية القرن العشرين يشير إلى أنّ غياب الديمقراطية قد يعيق التنمية الاقتصادية. وهذا كان جوهر رؤية الإصلاحيين خلال ثمانينيات القرن العشرين، مثل ميخائيل غورباتشوف Mikhail Gorbachev، الذي رأى أنّ انخفاض الإنتاجية في الاتّحاد السوفييتي كان نتيجة للانفصال الجماعي عن النظام السياسي، وهذا استدعى إصلاحات مثل البيريسترويكا perestroika، أي إعادة الهيكلة الاقتصادية، والتي لم يكن من الممكن تحقيقها من دون الغلاسنوست glasnost، أي الانفتاح السياسي. وتؤكّد نتائج دراسة القيم العالمية world values survey أنّ هناك ارتباطا وثيقا بين الجوانب الاقتصادية والاجتماعية للتحديث، إذ تظهر العلاقة المنتظمة بين ازدياد الازدهار الاقتصادي economic prosperity وتعزيز الفردانية individualism، وهو اتجاه يعكس كيف أنّ التحوّلات في البِنْية الاقتصادية غالبا ما تقترن بتغيّرات ثقافية واجتماعية أوسع.