تحليل فوكو لمفهوم إسانة المعرفة يعكس رؤيته في دراسة الخطابات والمعرفة بوصفها تراكما تاريخيا متشابكا، وليس مجرد نتاج زمني مُتَساتل. فهو لا يستعمل مصطلح الإسانة أو علم الآثار للإشارة إلى شيء متحجّر أو جامد، بل باعتباره منهجا لاستكشاف الطبقات العميقة التي تشكّل بِنْية المعرفة والخطاب في سياقاتها المختلفة. في هذا السياق، يقدّم فوكو مفهوم المَحارة archive بوصفها البِنية التحتية التي تنظّم وتشكّل الخطابات الممكنة داخل حقبة زمنية معيّنة. فالمَحارة ليست مجرّد مجموعة من الوثائق أو النصوص المحفوظة، بل هي الإطار الذي يحدّد ما يمكن أن يُقال، وكيف يُقال، ولماذا يُقال بهذا الشكل تحديدا. وهو يمثّل مستوى وسيطا بين:
- • اللغة langue، وهي البنية النظامية التي تتيح إنتاج الجمل والعبارات؛
- • المتن أو التَّسْمانية corpus، أي المجموع الفعلي لما قيل وسجّل أو دُوّن.
يُعرّف فوكو المَحارة بأنها النظام العامّ الذي يحكم إنتاج العبارات والخطابات وتحويلها، أي إنّها ليست مجرّد سجّل لما قيل، بل هي القوّة التي تحدّد ما يمكن أن يُقال في لحظة تاريخية معيّنة. ومن خلال هذا الفهم، تصبح الدراسة الإسانية archeology أداةً للكشف عن الأطر التي صاغت أنظمة المعرفة والخطاب عبر العصور. إذن، إسانة المعرفة عند فوكو ليست مجرّد تحقيق تاريخي، بل هي تحليل بِنْيوي يهدف إلى تفكيك القواعد التي تحدّد نشوء الخطابات وتحوّلها داخل مجالات السلطة والمعرفة.