شهدت منطقة ميلانيزيا melanesia في العصر الاستعماري الحديث، اندلاع عدد من الحركات الأَلْفَانِيَّة millenarian movements، وهي حركات دينية تنتظر تحولا جِذْرانيا في العالم عبر تدخل خارق، وقد مزجت هذه الحركات بين المعتقدات المحلّية التقليدية وبعض عناصر الفكر الغربي. وقد تشكّل في أوساطها اعتقاد بأنّ ممارسة طقوس دينية محدّدة يمكن أن تُقنع الآلهة أو الأرواح بإعادة المشحونات أو البضائع التي يُعتقد أنّ الرجل الأبيض قد سرقها من التانِئة indigenous peoples. وقد سُمّيت هذه الظاهرة بعبادة المشحونات، إذ قامت بعض الجماعات بأداء طقوس تُحاكي السلوك الغربي بطريقة طقوسية ومُفتعلة، مثل تمهيد الأرض لبناء مدارج الطائرات، أو صناعة أجهزة المذياع وهمية من الخشب والقشّ، على أمل أن تهبط الطائرات محمّلة بالبضائع كما كانت تفعل خلال فترة الاحتلال أو الحرب العالمية الثانية. وفي بعض الحالات، ذهبت هذه المعتقدات إلى حدّ التطرّف، إذ اعتقد البعض أنّ التخلّي التام عن الممتلكات –كأن يُحرق الناس بيوتهم ويُتلفوا ماشيتهم ومخازن غلالهم– هو تعبير عن الإيمان الكامل، وسيُسرّع في الحصول على الشحن الإلهي المنتظر. ومع مرور الوقت وازدياد وعي السكّان المحلّيين بصِنْعِياء الغرب وموافيق عملها الطبيعية، أخذت هذه الحركات تتراجع تدريجيا وتفقد زخمها، لا سيما مع انهيار الاعتقاد بأنّ المشحونات تأتي بفعل الطقوس وحدها. وقد أصبحت هذه الظاهرة اليوم من الأمثلة التقليدية في الإناسة الثقافية على التفاعل الرمزي والديني مع الاستعمار والصنعياء الحديثة، وتُستعمل أيضا مجازا لوصف ظواهر اجتماعية أخرى تحاكي المظاهر الصنعية أو المؤسّسية الحديثة من دون إدراك جوهرها الحقيقي.
✦ عبادة المشحونات هو مصطلح إناسي يُطلق على نمط من الحركات الدينية والاجتماعية التي ظهرت أساسا في جزر ميلانيزيا خلال الحقبة الاستعمارية، لاسيّما إبان الحربين الأمميتين الأولى والثانية. تقوم هذه الحركات على الاعتقاد بأنّ الثروات المادّية (المشحونات) التي كان يجلبها الأوروبيون إلى الجزر، إنما هي هِبات إلهية يمكن للتانِئة (السكان الأصليين) استجلابها من خلال أداء طقوس دينية أو شعائر محاكاة تقلّد السلوك الغربي. يُشتق المصطلح الإنجليزي cargo cult من الكلمة cargo التي تعني المشحونات أي ما شُحنت بها السفن والطائرات ومن هنا جاءت التسمية العربية عبادة المشحونات، للدلالة على الطابع التعبّدي الذي ارتبط بالأمل في استحضار هذه السلع المادّية عبر الطقوس. تميّزت حركات عبادة المشحونات بعدد من الخصائص، أبرزها:
- • إعادة تأويل الممارسات الغربية ضمن إطار ديني محلّي؛
- • محاكاة رمزية لسلوك المستعمرين، مثل إنشاء مدارج ترابية للطائرات، أو صنع أجهزة اتّصال من الخشب، ظنّا بأنّ ذلك يجذب الطائرات المحمّلة بالبضائع؛
- • الاعتقاد بأنّ التخلّي عن الممتلكات (مثل: إحراق المساكن أو قتل الأنعام) يُعجّل بنزول هذه المشحونات السماوية؛
- • اندماج العقائد المحلّية بالتصوّرات الجديدة التي فُسّرت في ضوء الأسطورة أو النبوة.
ظهر هذا النمط من الحركات بوصفه ردّ فعل ثقافيّا ونفسيّا على الصدمة الحضارية الناتجة عن الدَّناوة proximity مع المستعمرين. فقد أدرك التانئة فجوة القوّة بين أسلوب عيشهم التقليدي، والتفوّق الصنعيائي الغربي، ففُسِّرت هذه الفجوة على نحوٍ ديني: البضائع هي بركات إلهية، والغربيون عرفوا سرّ استحضارها. وقد درس هذه الظاهرة عدد من الإناسيين مثل: بيتر وورسلي Peter Worsley وكينيلم بوريدج Kenelm Burridge، واعتبروها مثالا على الحركات الألفانية millenarian movements التي تعد بقدوم زمن خلاص جماعي. مع الزمن، تجاوز المصطلح سياقه الإناسي، ليُستعمل في الأدبيات النقدية للدلالة على محاولات التقليد الشكلي من دون فهم جوهري، لا سيما في مجالات مثل تطوير النهاجِل، والتعليم، أو حتى السياسات التنموية. مع ازدياد وعي السكّان الأصليين بالأنظمة الصنعية الغربية، تراجعت هذه الحركات، وانقرضت كثير من طقوسها، لكنّها تظلّ تمثّل نموذجا مهمّا لفهم العلاقة بين الصدمة الحضارية والدين، وبين الاقتصاد والرمز في المجتمعات التقليدية.
✦ تشير الحركات الأَلْفَانِيَّة millenarian movements إلى نمط خاصّ من الحركات الدينية أو الاجتماعية التي تتنبّأ بوقوع تحوّلات كونية جِذرانية، عادة في أعقاب اكتمال دورة ألفية، وتقوم على الاعتقاد بأنّ نهاية وشيكة للعالم أو نظام الأشياء ستُعقَب بمجيء عصر جديد من العدالة والخلاص والنقاء الروحي أو الاجتماعي. وهي حركات تحمل عادة طابعا مخلّصيا messianic وتنتظر تدخّلا خارقا للعادة يُنقذ المؤمنين ويُبيد الظالمين، إمّا بفعل إلهي مباشر أو من خلال زعيم أو مُخلّص منتظر. وقد اشتُق المصطلح العربي الألفاني من ألف، ووزنه الصرفي يحاكي ألفاظا من قبيل ربّاني أو شيخاني، للدلالة على العقيدة أو النزعة المرتبطة بمبدأ الألفية millennium، أي مرور ألف سنة. ويُقابل هذا المصطلح في الأدبيات الغربية مفهوم الألفانية millenarianism، وهو مذهب ديني وفلسفي اجتماعي متجذّر في تراث الديانات الإبراهيمية، ولا سيما في التيارات المسيحية القِيامية apocalyptic christianity التي تنتظر حكم المسيح لمدّة ألف سنة بعد القيامة أو الانقلاب الكوني.
تعود جذور هذا التصوّر إلى التقليد اليهودي والمسيحي، لاسيّما في سفر الرؤيا (الإصحاح العشرون) إذ يُذكر أنّ المسيح سيملك على الأرض ألف سنة. وقد تبنّت بعض الطوائف المسيحية –كالسبتيين وشهود يهوه وغيرهم– هذا التفسير حرفيا، واعتقدت أنّ نهاية العالم ستقع في تواريخ محدّدة في نهاية الألفيات. إلّا أنّ المفهوم لم يقتصر على السياق الديني الغربي، بل ظهر في أشكال مختلفة ضمن مجتمعات متعدّدة عرفت الاضطهاد أو الاستعمار أو الكوارث الجماعية، إذ تنشأ هذه الحركات كردّ فعل ثقافي ونفسي على الإحباط الجماعي، وتتّسم أحيانا بطابع شعبي وجماهيري يتجاوز المؤسّسة الدينية الرسمية. ومن بين الحركات الألفانية:
- • حركات المشحونات cargo cults في ميلانيزيا، التي ظهرت كردّ فعل على الاستعمار الغربي، واعتقدت أن الطقوس المحلية يمكن أن تستجلب المشحونات التي يستحوذ عليها الأوروبيون؛
- • حركة المِسْحَانية في اليهودية زمن الاحتلال الروماني، التي انتظرت قدوم مخلّص سياسي روحي؛
- • ثورات دينية اجتماعية في العصور الوسطى الأوروبية، مثل ثورة الفلّاحين بقيادة توماس مونتسر Thomas Müntzer؛
- • النهضات الدينية الإفريقية التي تزامنت مع رحيل الاستعمار، وخلطت بين الرموز الإنجيلية والتقاليد المحلّية.
من خصائص الحركات الألفانية أنّها :
- • تؤمن بمجيء وشيك لعصر جديد تنتهي فيه المعاناة؛
- • تتمحور حول رؤية نبوئية أو كشفية؛
- • توجّه النقد إلى النظام القائم وتحمّله مسؤولية الفساد والانحلال؛
- • كثيرا ما يقترن بها نوع من الزهد أو الطهرانية أو الثورة على القيم المهيمنة؛
- • قد تأخذ طابعا سياسيا تمرّديا، أو شكلا سلميا رمزيا طقوسيا.
يرى بعض الباحثين أن مصطلح الألفانية في الدراسات الإناسية الغربية ينطوي على تحيّز ثقافي، إذ يُستعمل أحيانا لتوصيف حركات غير غربية بأسلوب تبسيطي يَسِمُها باللاعقلانية أو البدائية. لذا، يقتضي الإنصاف العلمي أن يُستعمل المصطلح في ضوء السياقات الثقافية المحلّية من دون إسقاطات استشراقية.
يشكّل مفهوم الحركات الألفانية إطارا تحليليا غنيا لدراسة الأنساق الخلاصية في الثقافات المختلفة، سواء في السياقات الدينية أو السياسية أو الاجتماعية، ويكشف عن أشكال معقّدة من التفاعل بين الأمل الجماعي والخيبة التاريخية، بين الرمزية الدينية والطموح الثوري.
- The Sage Dictionary of Sociology Steve Bruce and Steven Yearley. SAGE Publications, 2006. London