معجم المصطلحات الكبير
الأصَالة الباشْلارية وتَفَرُّعاتها : من القَطِيعة إلى الخِطاب
الفكر

يظهر عند تتبّع الفكر المعاصر في فلسفة العلم أنّ هناك سلسلة من المفكّرين الذين أسّسوا تصوّرا غير خطّي للمعرفة، يتجاوز الفكرة الوضعانية التي ترى تطوّر العلم كخطّ تقدّمي مستمرّ. تبدأ هذه السلسلة مع غاستون باشلار Gaston Bachelard، الذي قدّم مفهوم القطيعة العلميائية rupture épistémologique، إذ رأى أنّ العلم لا يتقدّم بطريقة تراكمية بل من خلال قطائع جِذْرانِيَّة مع أنماط التفكير السابقة. فكلّ نظرية علمية جديدة تنشأ ليس كتحسين لما قبلها، بل كتحوّل نوعي يُقصي ما سبقه بسبب عدم قدرته على تفسير الظواهر الجديدة.

تأثّر لودفيك فليك Ludwik Fleck وهو حِياوي وطبيب بولندي، بهذا النوع من التفكير، وركّز على الأنماط الفكرية الجماعية thought styles ومجموعات الفكر thought collectives، إذ رأى أنّ المعرفة العلمية ليست نابعة من العقل الفردي، بل هي نتاج جماعي يتشكّل داخل إطار اجتماعي تاريخي يحدّد ما يمكن التفكير فيه وما لا يمكن. فالعلم، في نظر فليك، لا يتطوّر إلا عندما تتغيّر هذه الأنماط وتتفكّك بفعل عوامل داخلية وخارجية.

يُشير لودفيك فليك في تحليله العميق للتاريخ العلمي إلى أن انتصار أي أسلوب فكري أو معرفي لا يمكن أن يكون نهائيا. فالعلم لا يتقدّم في خطّ مستقيم ولا يبني نُظمَه على حقائق نهائية أو معانٍ جامدة، بل هو في حالة تحوّل دائم. كلّ اكتشاف تجريبي جديد، أو فكرة نظرية طارئة، تؤدّي إلى اهتزاز المنظومة القائمة وإعادة النظر في بِنيتها، ولو بشكل جزئي في البداية. وحتى حين يبدو أنّ الوقائع الجديدة تتّسق مع الإطار النظري السائد، فإنّها، مع مرور الوقت، تُنتج تعقيدات واستثناءات لا تلبث أن تتراكم، مشكلةً ما وصفه لاحقًا توماس كوهن بالأشطان anomalies، أي الظواهر التي تُربك النموذج ولا يجد لها تفسيرا مُرضيا.

في ضوء هذا التوتّر بين الجديد والراسخ، تتكوّن الحاجة إلى مراجعة المفاهيم الأساسية أو تغيير الفرضيات التي لم تعد صالحة. وهنا تقع الطفرة في أسلوب التفكير، وهو المصطلح الذي يستعمله فليك للتعبير عن التحوّل النوعي الذي يُعيد صياغة النظرة إلى العالم. لا يقتصر هذا على فروع العلم الناشئة، بل يشمل حتّى المفاهيم الكبرى التي طالما اعتُبِرت من المسلّمات، مثل قانون حفظ الطاقة أو مفاهيم الزمن والمكان أو النظرية الجرثومية للمرض. كلّ هذه المفاهيم قد تُستبدَل أو يُعاد تأويلها ضمن بِنًى معرفية جديدة.

إنّ الرؤية التي يطرحها فليك ترفض أي نهائية معرفية، وتؤكّد أنّ في التاريخ العلمي لا يوجد شيء محدّد بشكل قطعي أو ثابت أبدا. بل إنّ ما نُسميه حقيقة علمية هو دائما مؤقّت ومشروط بتاريخ التفكير الجماعي وظروفه المعرفية والاجتماعية. فحتّى الحقائق ليست مَنولا موضوعيا مستقلا، بل هي نِتاج سياقات فكرية تتحكّم في ما يمكن اعتباره مرئيًا، وما يمكن قبوله كتفسير مقنع.

هذا المنظور يجعل من العلم مسارا احتراكيا مفتوحا، تتبدّل فيه الأدوات، وتُعاد فيه صياغة الأسئلة، ويُعاد فيه بناء الواقع نفسه من خلال تحوّل طريقة تفكيرنا فيه. وهكذا يتقاطع فليك بوضوح مع باشلار، الذي تحدث عن القطيعة العلميائية (المعرفية) بوصفها شرطا لنشوء عقل علمي جديد، كما يلتقي أيضا مع كوهن الذي رأى في الثورات العلمية نقاط انعطاف تُطيح بالنماذج السائدة وتُقيم أخرى بدلا منها.

جاء توماس كوهن Thomas Kuhn لاحقا، واستفاد بشكل مباشر من فليك، وبلور رؤيته حول بنية الثورات العلمية the structure of scientific revolutions، فقد صاغ مفهوم النموذج المعرفي paradigm وهو الإطار المفاهيمي والتجريبي الذي يحكم العلم في فترة معيّنة. وحين يعجز هذا النموذج عن تفسير الظواهر، تبدأ أزمة علمية تؤدّي إلى ثورة علمية تنتج عنها قطيعة مع النموذج القديم، وتأسيس نموذج جديد يصبح هو المعيار المؤقّت للعلم في المرحلة التالية.

هذه التصوّرات حول النموذج المعرفي والقطيعة والأنماط الجماعية تمثّل الخلفية التي يتقدّم منها ميشيل فوكو Michel Foucault، والذي طوّر مفهوم الخطاب discourse بطريقة أكثر شمولية. فبالنسبة لفوكو، المعرفة ليست فقط مرتبطة بتقدّم علمي بل هي دوما متورّطة في شبكات الحَيْل power أو السلطة. ويرى أنّ كلّ فترة تاريخية تتميّز بنظام معرفي معيّن يحدّد ما يمكن قوله وما لا يمكن، وما يُعدّ عقلانيا أو منحرفا. وما يُعتبر حقيقة ليس سوى ما يسمح به هذا النظام الخطابي، الذي يتغيّر من مرحلة لأخرى، من دون أن يعني ذلك تطوّرا بالمعنى التقليدي. فالتحوّل لا يكون تطوّرا خطّيا بل انتقالا من بِنْية معرفية إلى أخرى، تماما كما عند باشلار وكوهن.

والقاسم المشترك بين هؤلاء المفكرين هو إدراكهم أنّ المعرفة ليست محايدة ولا تنمو بطريقة موضوعية صافية، بل تتشكّل ضمن سياقات اجتماعية وتاريخية وسياسية معيّنة، وأنّ كلّ حقيقة علمية أو فكرية لا تنفصل عن المنظومات الخطابية والمؤسّساتية التي أنتجتها. هكذا تصبح القطيعة عند باشلار، والنمط الجماعي عند فليك، والثورة عند كوهن، والخطاب عند فوكو، كلّها وجوهٌ متعدّدة لفكرة واحدة: أنّ ما نعدّه معرفة في لحظة ما ليس إلّا نظاما تاريخيا قابلا للتبدّل والاختفاء.

يعدّ لويس ألتوسير Louis Althusser واحدا من أبرز المفكرين الذين سعوا إلى إعادة تأويل الماركسية في القرن العشرين ضمن أفق علميائي وليس ذهنيائي، وقد تمحور مشروعه الفلسفي حول الدفاع عن علمية الماركسية وتبرئة ماركس من التأويلات الإنسانيّة والهيغليّة التي ألصقها به قرّاؤه في مرحلة ما بعد وفاته. في كتابه من أجل ماركس Pour Marx, 1965 وقراءة رأس المال Lire le Capital، يؤسّس ألتوسير فكرته المحورية القائلة بأنّ كارل ماركس قد أجرى قطيعة علميائية rupture épistémologique داخل كتاباته، تمثّلت في انتقاله من مرحلة الفلسفة الذهنيائية المتأثرة بالهيغلية والإنسانوية، كما في مخطوطات 1844م وأطاريح فويرباخ، إلى مرحلة جديدة يعلن فيها تأسيس علم جديد: علم البِنَى الاجتماعية والتاريخية للرأسمالية. يرى ألتوسير أنّ هذا التحوّل لم يكن مجرّد تطوّر تدريجي في أفكار ماركس، بل انفصال جِذْراني في الجهاز المفاهيمي نفسه. ففي أعماله المبكّرة، كان ماركس ما يزال يشتغل ضمن أفق الفلسفة المثالية الألمانية، مركّزا على الإنسان، والاغتراب، والطبيعة البشرية، وهي مفاهيم يراها ألتوسير ذهنيائية وغيّر علميائية.

أمّا في كتاب الذهنياء الألمانية (1846م) لاسيما في رأس المال (1867م)، فإنّ ماركس يتخلّى عن هذه المفاهيم، ويطوّر أدوات تحليلية جديدة كالأنماط الإنتاجية وعلاقات الإنتاج والتشكيلات الاجتماعية، وهي مفاهيم ذات طبيعة بِنْيوية ومادّية. إذن، هذا الانتقال، حسب ألتوسير، يُفهم على أنّه قطيعة علميائية، بالمعنى الذي استعمله غاستون باشلار في فلسفة العلم، أي تحوّل مفاجئ يقطع مع العوائق المعرفية القديمة ويؤسّس لجهاز مفاهيمي جديد ينتمي إلى حقل علمي مغاير. وبناءً على هذا الفهم، يحاجج ألتوسير بأنّ الماركسية ليست مجرّد ذهنياء ثورية، بل علم للتاريخ science de l’histoire على غرار العلوم الدقيقة، ويجب أن تُقرأ أدواتها النظريّة على نحو بنيوي، وليس أن تُردّ إلى المقاصد الإنسانيّة أو النزعات الأخلاقية. إنّه بذلك يدعو إلى ماركسية بلا إنسان marxisme sans l’homme، ويقطع الطريق على التأويلات الإنسانيّة التي سيطرت على الفكر الماركسي، لاسيما في تيّارات اليسار الأوروبي.

 

غاستون باشلار هو الأصل المُؤسِّس لفكرة التغيّر المعرفي الجِذْراني، أمّا فليك وكوهن وفوكو وألتوسير فقد وسّعوا أو أعادوا صياغة هذا الأساس في سياقات مختلفة.

 

عند التمعّن في الفكر المعاصر الذي تناول تاريخ العلم وتحوّلاته، يتبيّن أن كثيرا من التصوّرات التي شاع نسبها إلى مفكّرين لاحقين إنّما ترجع في جوهرها إلى الفيلسوف الفرنسي غاستون باشلار. فقد كان باشلار أوّل من قدّم تصوّرا نسقيا لمفهوم القطيعة المعرفية، مؤكّدا أنّ التقدّم العلمي لا يتمّ عبر التراكم الخطّي للمعلومات، بل عبر تجاوز جِذْراني لما كان يُعدّ بديهيا في سابق العهد. فكلّ قفزة معرفية كبيرة تتطلّب كسرا للمألوف وإعادة بناء للمفاهيم في ضوء مشكلات جديدة وأدوات جديدة للفهم.

هذا التصوّر الباشلاري لم يكن مجرّد توصيف تاريخي، بل كان يحمل مشروعا علميائيا بأكمله: إعادة تعريف العقل العلمي كممارسة نقدية تتجاوز ذاتها باستمرار، وتعتمد على التحليل التاريخي للمعرفة في ضوء تطوّراتها وليس في ضوء منطقها الداخلي فقط. وبعد باشلار، سيظهر كلّ من لودفيك فليك وتوماس كوهن وميشيل فوكو بمفاهيم تبدو للوهلة الأولى جديدة –مثل أساليب التفكير، والنماذج المعرفية paradigms، والخطاب، غير أنّ النظر الدقيق يُظهر أنّ ما فعله هؤلاء هو تفريع الفكرة الباشلارية الأصلية وتطبيقها على مجالات مختلفة:

لودفيك فليك تبنّى فكرة أن المعرفة العلمية لا تُنتج في فراغ، بل ضمن جماعات فكرية تحكمها أنماط سائدة من التصوّر، وهو ما لا يبتعد كثيرا عن مقولة باشلار بأن كل مرحلة علمية تحكمها رؤى وقوالب معرفية تَحُدُّ من إمكانيات التفكير خارجها. توماس كوهن، بدوره أعاد طرح مفهوم القطيعة من خلال ما سماه الثورات العلمية، وبيّن كيف ينهار النموذج المعرفي السابق حين يعجز عن تفسير الظواهر، وهو في الحقيقة تبنٍ مباشر لفكرة باشلار ولكن بصياغة أنغلوساكسونية واجتماعية. أمّا ميشيل فوكو، فقد وسّع فكرة التحوّل الجِذْراني لتشمل البِنْية الخطابية بأكملها، مؤكّدا أنّ كل عصر له إبيستيميه epistemè تحكم ما يمكن التفكير فيه. لكن حتّى هذه الصياغة يمكن النظر إليها باعتبارها تحويلا للمفهوم الباشلاري من مجال العلم الطبيعي إلى مجال العلوم الإنسانية والمعرفة الحَيْلية أو السلطوية.

على الرغم من أنّ لويس ألتوسير قد طوّر مفهوم القطيعة العِلْميائية (الإبستمولوجية) في إطار مشروعه لإعادة تأويل الماركسية، فإنّ المرجعية الفلسفية لهذا المفهوم تعود مباشرة إلى غاستون باشلار، الذي نظّر له ضمن تطوّر العلوم الطبيعية، لاسيما الريزياء والكيمياء. ففي كتابات باشلار، لا تتحقّق المعرفة العلمية إلّا عبر قطيعة معرفية مع التصوّرات السابقة التي تنتمي إلى الحسّ المشترك أو ما يُسمى بالرأي، وهذه القطيعة ليست تطوّرا كمّيا، بل هي انفصال نوعي يستدعي جهازا مفهوميا جديدا. يأخذ ألتوسير هذا المفهوم، ويطبّقه على تاريخ الفكر الماركسي، معتبرا أنّ ماركس ذاته قد أنجز هذه القطيعة المعرفية داخليا، أي في جسد إنتاجه الفكري، بين مرحلتين: مرحلة ما قبل 1845 (الإنسانوية الهيغلية)، ومرحلة ما بعد 1845 (العلم المادّي للتاريخ). وبهذا فإنّ ألتوسير يعيد إنتاج القطيعة الباشلارية داخل حقل الفلسفة السياسية والتاريخية، متموضعا كفرع من الجذر الباشلاري من دون أن ينفصل عنه منهجيا، وإن اختلف موضوعه.

إن الأصالة هنا تعود إلى باشلار، باعتباره المؤسّس الأوّل لهذا النموذج المعرفي القائم على تطوّر العلوم عبر انقطاعات وليس عبر تراكمات، أمّا ألتوسير، فقد نقل هذا النموذج إلى حقل الماركسية، محافظا على الهيكل المفهومي ذاته، ومضفيا عليه طابعا ذهنيائيا – نقديا، يتوجّه أساسا إلى تصحيح مسار قراءة ماركس في الفكر اليساري الحديث. إذن، استعار ألتوسير مفهوم القطيعة من باشلار، لكنّه حصره في التحوّل الفكري الذي شهده كارل ماركس من مرحلة الهيغلية الذهنيائية إلى تأسيس علم التاريخ المادّي. وبهذا، فإن ألتوسير لم يوسّع المفهوم بل ضيّقه، ووجّهه توجيها ماركسيا يخدم مشروعه في بناء قراءة علمية للماركسية، فكان فرعا من الجذع الباشلاري من دون أن يكون امتدادا منهجيا مستقلّا.

إذن، يمكن التأكيد على أنّ باشلار هو الأصل المؤسِّس لفكرة التحوّل القطيعي في المعرفة، بينما جاءت مساهمات فليك وكوهن وفوكو وألتوسير كأصداء متوسّعة لهذا التصوّر، مُستثمِرينه في سياقات اجتماعية أو تاريخية أو سياسية. إنّ ما قدّمه باشلار لم يكن مجرّد بذرة، بل كان جذعا معرفيا متينا لم تخرج عنه الفروع التي تَلَته، وإن اتّخذت هيئات مفاهيمية مختلفة.

 

  • الكاتب : خضير شعبان
  • التاريخ : 12\02\1447 الموافق له 06\08\2025

مراجع

  • The Sage Dictionary of Sociology Steve Bruce and Steven Yearley. SAGE Publications, 2006. London