الجبر والاختيار، مصطلحان فلسفيّان ولاهوتيّان يتناولان طبيعة العلاقة بين الإنسان وأفعاله، وبين الإرادة الإلهية والعلم المطلق من جهة، وحرّية الإرادة الإنسانية من جهة أخرى. فالجبر هو الموقف الذي يرى أنّ الإنسان مُجبَر على أفعاله، لا يملك فيها إرادة حقيقية، بل هو منفّذ لما كُتب له أزليا، سواء أكان ذلك بفعل قضاء إلهي أم بسَتَلة من العلل الطبيعية والحتميات الكونية. أمّا الاختيار فهو القول بأنّ الإنسان حرّ الإرادة، مسؤول عن قراراته وأفعاله، يختار بين بدائل ممكنة بوعي واستقلال، مما يجعله كائنا أخلاقيا خاضعا للثواب والعقاب. وقد تبلورت هذه الثنائية في الفكر الإسلامي ضمن الجدل بين الفرق الكلامية:
- • فالجبرية (مثل بعض المرجئة) قالوا إنّ الإنسان لا قدرة له على الفعل مطلقا، بل هو كريشة في مهبّ الريح، يُحرّكها القدر حيث يشاء؛
- • القدرية (ومنهم المعتزلة) أثبتوا للإنسان حرّية كاملة في أفعاله، وقالوا إنّ العدل الإلهي يقتضي ذلك، لأنّ التكليف لا يصحّ من دون اختيار؛
- • أما أهل السنة –لا سيّما الأشاعرة– فاختاروا موقفا وسطيا، عبّروا عنه بمفهوم الكسب، أي أنّ الفعل مخلوق لله، لكن الإنسان يكسبه بإرادته، فيتحقّق به معنى المسؤولية من غير أن يُنافي التوحيد.
في الفلسفة الغربية، ظهرت المقابلة بين الحتمية determinism والحُرَّانِيَّة libertarianism، كما حاول بعض الفلاسفة التوفيق بينهما ضمن ما عُرف بالتوافقية compatibilism، وهي النظرة التي ترى أنّ الإنسان يمكن أن يكون حرّا حتى لو كانت أفعاله نتيجة مسبّبات سابقة، إذا كانت نابعة من داخله لا من إكراه خارجي. وتُعدّ مسألة الجبر والاختيار من أعمق الإشكالات المرتبطة بمفهوم المسؤولية الأخلاقية، وبفهم العلم الإلهي وطبيعة الزمن وحرّية الإرادة، وقد ظهرت لها مقاربات حديثة ضمن فلسفة العقل، والنظرية العصبية، ونظرية النظم المعقّدة.
الجبر والاختيار في ضوء نظرية التجرسد المعرفي :
تمثل نظرية التجرسد المعرفي نقلة نوعية في فهم الإنسان ككائن مدرك ومريد، إذ ترى أنّ العقل ليس كيانا منفصلا عن الجسد أو متعالٍ عليه، بل هو متجسّد فيه، يتشكّل من خلال تفاعله الحيّ مع المَحاط البيئي والاجتماعي واللغوي. ومن هنا، فإنّ أفعال الإنسان لا تُردّ إلى مجرّد علل غيبيائية مفروضة عليه، كما في الجبرية، ولا تُفهم على أنّها انبثاقات حرّة مجرّدة، كما في الطرح القدري المتطرّف، بل تُفهم ضمن نظام معقّد من التفاعل بين البِنْية الحِياوية، والخبرة الحسيّة، والسياق الثقافي، ومحدودية الإدراك.
في هذا الإطار، يظهر مفهوم الاختيار المتجسّد، إذ يُمارس الإنسان حرّيته داخل حدود ما يُتاح له جسديا ونفسيا وسياقيا، فيبدو حرّا من جهة، ومقيَّدا من جهة أخرى. فالاختيار لا يكون خارج شروط الواقع، لكنّه أيضا ليس مجرّد نتيجة آلية له. وهنا يُصبح من الممكن إعادة صياغة مسألة الجبر والاختيار ليس بصفتها مفارقة غيبيائية، بل كإشكالية إدراكية معرفية، تظهر ضمن تقاطع الاحتمالات الممكنة والفعل المتعيّن.
ولتقريب الصورة، يمكن استحضار المثال التالي: لنفترض أنّ فاعلا ما –يمكن أن نسمّيه مجازا العالِم– يطرح سؤالا، وهو يعلم مسبقا، علما تامّا، جميع الإجابات الممكنة التي قد يُجيب بها المتلقّي. بل ويعلم –ضمن علمه المطلق– الإجابة التي سيختارها هذا المتلقّي بالفعل. ومع ذلك، فإنّ هذه الإجابة لا تخرج من حيّز الإمكان إلى حيّز التحقّق، إلّا عندما يُقدِم المتلقّي بنفسه على اختيارها فعليا، في لحظة زمانية معيّنة، وبمقتضى إرادته الحرّة. وهنا يظهر المبدأ المحوري: تحقّق الإمكان في لحظة الوجود، أي أنّ الفعل الذي كان ممكنا –بحسب عدد من الاحتمالات– لا يتحقّق إلّا عندما يتّخذ شكلا متجسِّدا في الزمان والمكان بفعل الإرادة.
وبذلك، لا يكون علم العالِم هو سبب تحقّق الإجابة، بل يكون فعله الإحصائي والإحاطي قائما في بُعْدٍ مطلق خارج الزمان والمكان، كما لا ينفي أنّ المتلقّي قد اختار فعله بمحض إرادته. هذه الرؤية توافق ما عبّرت عنه بعض الآيات الكريمة التي فرّقت بين العلم المطلق والعلم المتحقّق، كما في قوله تعالى: ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمنّ الله الذين صدقوا وليعلمنّ الكاذبين. فالعلم الإلهي المطلق لا يفتقر إلى تحقّق الفعل كي يكون معلوما، ولكن الفتنة، أي الاختبار، هي التي تُخرج الإمكان إلى التحقّق، فيصبح الفعل معلوما بالفعل –وليس فقط بالإمكان– في عالم الشهادة، فيظهر للناس ويُرتّب عليه الجزاء.
وبهذا يتجاوز التجرسد المعرفي الثنائية الصلبة بين الجبر والاختيار، ليرينا أنّ الإرادة الإنسانية تعمل في عالم الممكنات، لكنّها لا تكون فعّالة إلّا حينما تُجسّد اختيارا محدّدا، في لحظة وجود واقعية، داخل شرط تجسّدي معرفي زمني. وفي تلك اللحظة تحديدا، يتجلّى القانون: تحقّق الإمكان في لحظة الوجود، إذ يتلاقى ما هو معلوم بالقوّة، مع ما صار موجودا بالفعل، من دون أن يلغي أحدهما الآخر. بعبارة أخرى فإنّ الفعل لا يكون فعلا إلّا بوقوعه، وأنّ حرّية الإرادة تظهر عند لحظة التجسّد الفعلي للقرار داخل شرط تجسّدي معرفي زمني.
هذا الفهم يتجاوز الثنائية التقليدية للجبر والاختيار، لأنّ علم الله لا يُنظر إليه هنا كسبب للفعل، بل كإحاطة بالاحتمال، بينما التحقّق لا يتم إلّا بالفعل الحرّ الذي يقوم به الإنسان داخل سياق جسده وزمنه ومعرفته. من هنا فإن نظرية التجرسد المعرفي تقدّم مخرجا معرفيا أصيلا لإشكالية الجبر والاختيار، لا من خلال ترجيح أحد الطرفين على الآخر، بل من خلال نقض أصل الثنائية نفسها، وإحلال نموذج معرفي بديل يقوم على تفاعل الإمكان والاختيار والتحقّق في لحظة التجسّد. إنّها لا تنفي العلم المطلق، ولا الحرّية الإنسانية، بل تُظهر كيف أنّ الفعل البشري هو مجال التقاء بين المطلق والمتحقّق، بين المعرفة السابقة والاختيار المتحقّق.
1- الإمساك الإلهي وتحقّق الوجود الممكن.
في ضوء نظرية التجرسد المعرفي، لا يُنظر إلى أفعال الإنسان كوقائع مستقلّة تتحقّق ضمن فراغ وجودي، بل كوقائع متجسدة في شرط زماني معرفي، لا يمكن له أن يقوم أو يستمرّ إلا بإمساك إلهي دائم. وهذا ما تؤكّده الآية الكريمة: إنّ الله يُمسك السموات والأرض أن تزولا، ولئن زالتا إن أمسكهما من أحدٍ من بعده (فاطر، 41)، التي تدلّ على أنّ الوجود الكوني برمّته قائمٌ برباط الإمساك الإلهي، وأنّ استمراريته ليست تحصيل حاصل، بل فعل إلهي متواصل. وعليه، فإنّ أفعال الإنسان –بما في ذلك أفعاله الاختيارية– لا تخرج عن هذا المبدأ الكلّي: فهي لا تتجلّى في الواقع إلا لأن الله تعالى يمسك الشرط الوجودي الذي يُمكّن هذه الأفعال من التحقّق. فالإنسان قد يختار، ولكن ما يختاره لا يمكن أن يكون قابلا للاختيار أصلا لولا أنّ الله قد أوجده أولا في نطاق الإمكان، ثم أمسكه قائما لحظة الاختيار. وهنا تنكشف أهمية المفهوم المفتاحي في هذه النظرية، والمتمثّل في عبارة: تعيُّن الإمكان في لحظة الوجود، أي أن الفعل الإنساني لا يتحقّق إلّا عندما ينتقل أحد الممكنات إلى التعيّن، وهذا الانتقال لا يتمّ فقط بإرادة الإنسان، بل بإرادة الله التي تُمسك بزمام الشرط الكوني والمعرفي الذي يسمح بهذا التعيّن أو التحقّق. وبذلك، تُعيد نظرية التجرسد المعرفي صياغة العلاقة بين الجبر والاختيار ضمن إطار يتجاوز الثنائية التقليدية: إذ لا جبر بالمعنى القسري، ولا اختيار مطلق بالمعنى الانفصالي، بل اختيار يتحقّق ضمن شرطٍ إلهيٍ مخلوقٍ ومُمْسَكٍ، تتجسد فيه حرية الإنسان ضمن نطاق من الإمكانات المصونة بإمساك الله لها قائمة.
2- نسبة الفعل الإنساني بين الخلق الإلهي والمسؤولية الاختيارية.
تشير الآية الكريمة: والله خلقكم وما تعملون (الصافات، 96)، إلى مبدأ دقيق في فهم العلاقة بين الله والإنسان، بين الخلق والفعل، بين الجبر والاختيار. إذ إنّها لا تنفي نسبة العمل إلى الإنسان، وإنّما تؤسّس لتصوّر مركّب: فالعمل من حيث هو فعلٌ صادر عن إرادة بشرية واختيارٍ حرّ، يُنسب إلى الإنسان نفسه، لا إلى الله. ولكن من حيث قابليته للتحقّق، ووجوده الفعلي في الواقع، فإنّه لا يكون إلا بخلق الله له وإمساكه. إن ما نُسب إلى الله في الآية هو الخلق، وليس العمل من حيث الإرادة أو النية أو المسؤولية الأخلاقية. فالإنسان فاعلٌ مختار، مسؤول عن قراراته، ولكنّ فعلَه لا يصير إلى التحقّق الواقعي إلّا لأنّ الله أذن بوقوعه وخلقه، تماما كما أنّ الكائنات كلها لا تقوم في وجودها لحظة إلا بإمساك الله لها. وهنا تتّضح دقّة الفصل بين المشيئة الإلهية والإرادة الإنسانية:
- • فالمشيئة الإلهية تُحدّد إطار الإمكان، وتضبط شروط تحقّقه؛
- • والإرادة الإنسانية تُعيّن أحد هذه الممكنات، فتكون مسؤولة عن اختياره.
لكن هذا التعيّن لا يصبح فعلا متجسدا إلّا بتفعيل الشرط الوجودي الذي يمسكه الله سبحانه في لحظة تحقّقه. ومن هنا، فإنّ القول بأنّ الإنسان يخلق أفعاله بنفسه هو مصادرة غِيبيائية (ميتافيزيقية)، إذ لا قدرة له على خلق شيء من العدم، ولا حتى على حفظ وجود فعله لحظة واحدة من دون أن يُمسكه الله. فلو أمكن للإنسان أن يخلق نتائج أفعاله أو أن يضمن لها الوجود الذاتي، لاستقلّ عن شرط الإمساك الإلهي، ولأصبح إلها، وهو محال. بهذا الفهم، تُعيد نظرية التجرسد المعرفي صياغة مسألة الجبر والاختيار ضمن أفق فلسفي جديد: الإنسان مسؤول عن اختياره، ولكنّ اختياره لا يغدو فعلا إلّا لأنّ الله خلقه وأمسكه في حيّز التحقق. وفي هذا التفاعل بين الإرادة الإنسانية المتجسّدة والإمساك الإلهي الحافظ، يتشكّل عالم الأفعال، ويُفهم موقع الإنسان فيه، ككائن حرّ في شرطٍ مخلوقٍ.
ثمّ إنّ الله خلق الكون ضمن نظام سببيّ متقن، قوامه الترابط بين السبب والنتيجة، وهو نظام لا يعمل عشوائيا، بل تأسّس ضمن مشيئة إلهية منذ اللحظة الأولى لخلق السماوات والأرض. فالقوانين الطبيعية ليست طارئة، بل هي مُضمّنة في الخلق ذاته، وهي شكل من أشكال الإرادة الإلهية الجارية في الوجود الكوني، والتي لا تخرج عن علم الله ولا عن قدرته، وإن كانت لا تُلغي فاعلية الإنسان. ومن هنا، حين يُحدِث الإنسان فعلا ما، فهو يفعله ضمن شروط هذا النظام السببيّ؛ أي أنّ فعله لا يُنتج أثرا إلّا إذا شاء الله أن يقرن السبب بالنتيجة، فيحقّق أثر الفعل. وعلى هذا الأساس، يمكن القول إنّ الله هو خالق الأثر، لا مجبرٌ للفاعل، وإنّ الإنسان هو المختار لفعله، لا خالق لنتيجته. وهذه دقّة فلسفية جوهرية تنفي الجبر بمعناه السلبي، وتؤكّد في ذات الوقت على مسؤولية الإنسان الأخلاقية.
وقد يعبّر عنها بعضهم بالقول: أنا قمت بالفعل، ولكن الله هو الذي خلق أثر الفعل. أي أنّ ارتباط الأثر بالفعل لا يتمّ بمجرد صدور الفعل، بل يتوقّف على إذن إلهي متعالٍ بتحقّقه. فلو شاء الله لأبطل أثر الفعل على الرغم من وقوعه، ولفصله عن نتيجته الطبيعية، إذ ليس في الطبيعة قوّة مستقلة عن مشيئة الله، بل الطبيعة مُمَكَّنة لا مُمكِّنة. وهذا يقتضي أنّه لا يمكن نسبة الجبر إلى الله من جهة خلقه للأثر، لأن خلق الأثر لا يلغي اختيار الفاعل، بل يؤكد فاعليته داخل شرط كونيّ هو في حدّ ذاته مخلوق أيضا. وبهذا تتجلّى نسبية الفعل الإنساني، أي فاعلية الإنسان داخل ضوابط مخلوقة، من دون أن يتحوّل إلى فاعل مطلق أو إلى مفعول محض. وهذا الفهم يعيدنا إلى إحدى القواعد التي يمكن أن نصوغها في إطار نظرية التجرسد المعرفي:
تعيّن الإمكان في لحظة الوجود لا يتمّ إلا بإمساك إلهي، حتى وإن كان الاختيار فعلا إنسانيّا حرّا. أي أنّ اختيار الإنسان يُخرج المُمْكِن من حيّز التصوّر إلى حيّز التحقّق، ولكنّ وجوده يظلّ مشروطا بإرادة الخالق الذي يُمكّنه ويُمسكه.
3- تحقّق الأمر الإلهي ضمن النظام الطبيعي : بين الإرادة والضوابط السببية.
إنّ من أبرز أوجه التماهي بين الإرادة الإلهية والنظام الكوني، هو أنّ أوامر الله تعالى لا تتجلّى في الواقع باختراق القوانين الطبيعية، بل تتحقّق ضمن شروطها. فالكون، من حيث هو نسق منتظم، خُلق على مبدأ السببية والاطّراد، إذ تُفضي الأسباب إلى نتائجها في حال تحقّق الشروط الموضوعية، من دون خرق أو فوضى. وعليه، فإنّ إرادة الله لا تلغي النظام، بل تتجلّى من خلاله. وهذا الفهم يُعيد ترتيب العلاقة بين الفعل الإنساني ومسؤوليته: إذ إنّ الإنسان لا يعمل في كونٍ عبثيّ أو غير منتظم، بل في بيئة ذات قوانين قابلة للتكرار والتنبؤ، إذ إنّ تكرار الفعل في ذات الشروط، يؤدّي إلى تكرار الأثر ذاته. وهذه القابلية للتكرار تمنح الفعل الإنساني طابعا عقلانيا، وتجعل المسؤولية الأخلاقية ممكنة.
فلو كانت النتائج التي تترتّب على الأفعال تُنجز بشكل تعسّفي أو اعتباطي، لما أمكن مساءلة الفاعل أو نسب النتيجة إليه، لأنّه سيكون حينها مجرد أداة في عالم لا قانون له. لكنّ الضوابط التي وضعها الله منذ خلق السماوات والأرض تُؤسّس لنسق يمكن فيه للإنسان أن يعرف نتائج فعله، وأن يُحاسب بناء على هذا الفهم. من هنا، فإنّ القول بأنّ الله تعالى هو الذي يُحدِث أثر الفعل لا يعني نفي السببية، بل يعني أنّ السبب نفسه مخلوق، والأثر مخلوق، والعلاقة بينهما مخلوقة أيضًا. وهذا ما يمنح الإنسان مساحة للاختيار ضمن شروط كونية مُهيأة، لا تمنع الإرادة ولا تعفي من المسؤولية، بل تضبطها في أفق قانونيّ دقيق. وبالتالي، فإنّ نظرية التجرسد المعرفي لا تُبقي على ثنائية الجبر والاختيار بوصفها تقابلا صلبا، بل تتجاوزها عبر فهم أكثر احتراكية، إذ يُعاد تشكيل مفهوم الحرّية داخل شرط معرفيّ وتجسّدي طبيعي، لا يُلغي الإرادة ولا يُخرِج الأفعال من ربقة النظام الكوني.
4- مشيئة الإنسان ضمن شرط التعيّن.
يقول تعالى: وما تشاؤون إلا أن يشاء الله، إن الله كان عليما حكيما (الإنسان، 30). أو قوله تعالى: وما تشاؤون إلا أن يشاء الله ربّ العالمين (التكوير، 29). تُعدّ هذه الآية الكريمة من أبرز المواضع القرآنية التي يُستدلّ بها على التداخل بين مشيئة الإنسان ومشيئة الله، بل هي في صلب النقاش الكلامي حول الجبر والاختيار. غير أنّ نظرية التجرسد المعرفي تفتح أفقا تأويليا مغايرا يُعيد ترتيب العلاقة بين الطرفين ضمن شرط معرفي وزماني مخصوص. فحين يُقال: وما تشاؤون إلّا أن يشاء الله، لا يُراد بذلك نفيُ مشيئة الإنسان، بل بيان أنّها تقع ضمن نسق أوسع من الإرادة الكلّية التي تتضمن إمكانية الفعل وتحقق تعيّنه. الإنسان يشاء ويفعل ويختار بحرّية، لكنّ مشيئته لا تتحوّل إلى وجود متعيّن إلّا إذا دخلت حيّز التحقّق، وهذا الحيّز هو ما يرتبط بمشيئة الله وخلقه.
وفي ضوء التجرسد المعرفي، فإنّ فعل الإنسان، بكلّ عناصره العقلية والنفسية والجسدية، يُمارَس داخل شرط تجسّدي معرفي زمني، وهو شرط يتضمّن قابلية الفعل للوجود، من دون أن يكون وجوده ضروريا قبل أن يتعيّن. إنّ تعيّن الإمكان في لحظة الوجود، وهو أحد المبادئ المركزية في هذه النظرية، يشرح هذا التفاعل بعمق: فكل ما يفعله الإنسان كان ممكنا، ومشيئته الحرّة هي ما تُحدِّد هذا الفعل من بين الممكنات، لكنّ تحقّق الفعل ذاته في الخارج لا يكون إلا بمشيئة الله، ليس من باب الجبر، بل من باب الخَلْق والإمساك بالوجود، كما تشير إليه آيات أُخرى.
أمّا معنى قوله تعالى: يُضلّ من يشاء ويهدي من يشاء ولتُسألنّ عمّا كنتم تعملون (النحل، 93)، يُفهم على أنّ الله تعالى منح الإنسان حرّية كاملة في أن يشاء الإيمان أو أن يشاء الكفر. ويؤكّد هذا الفهم ختام الآية بقوله: ولتُسألنّ عمّا كنتم تعملون، إذ لا معنى للمساءلة إلّا إذا كان الفعل نابعا من إرادة واختيار. كما يعضده نصّ آخر صريح في تقرير حرّية الإنسان: فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر (الكهف، 29). وبذلك، فإنّ المشيئة الواردة في قوله تعالى يضلّ من يشاء ويهدي من يشاء تعود إلى مشيئة الإنسان نفسه، وليس إلى المشيئة الإلهية الجبرية؛ فالله جلّ وعزّ قد هيّأ أسباب الضلال لمن اختار الضلالة، وهيّأ في المقابل أسباب الهداية لمن أراد الهداية، وبناءً على هذا تتحقّق المسؤولية الفردية في إطار حرّية الاختيار.
بذلك، تُحافظ هذه الرؤية على حرّية الإنسان ومساءلته الأخلاقية، من دون أن تنفصل عن المفهوم القرآني الشامل لربوبية الله وفعله في الوجود. فهي تُقوّض ثنائية الجبر والاختيار بمعناها التقليدي، وتؤسّس بدلا منها تصوّرا معرفيا توحيديا، يعترف بتداخل المشيئتين من دون تماهٍ، ويفصل بين العلم المطلق والعلم المتحقّق، وبين الاختيار الحرّ وتعيّن الفعل في سياق الخلق.
- الكاتب : خضير شعبان
- التاريخ: 27\10\1446 الموافق له 26\04\2025