يُعد كتاب: الفلاح البولندي، عملا ضخما وواحدا من أبرز الدراسات النوعية في علم الاجتماع، وقد أعدّه عالما الاجتماع ويليام إسحاق توماس W.I. Thomas وفلوريان زنانيكي Florian Znaniecki، ونُشر في خمسة مجلّدات بين عامي 1918 و1920م. وعلى الرغم من أنّه ظلّ نموذجا يُحتذى به طويلا في البحث الاجتماعي، إلّا أنّه تعرّض لاحقا للإهمال والنسيان. سعى الباحثان من خلال هذه الدراسة إلى استكشاف طرفي عملية الهجرة لتوضيح الأسس النظرية للعلوم الاجتماعية. فقد دمجا بين علم الاجتماع باعتباره دراسة للتنظيم الاجتماعي، إذ يُفهم المجتمع على أنه مجموعة من المؤسّسات الاجتماعية social institutions التي تحدّدها قواعد السلوك، وبين النفسياء الاجتماعية social psychology، التي عرّفاها بأنها دراسة المواقف المشتركة بين أفراد الجماعة الاجتماعية.
وفقا لتحليلهما، يتكوّن السلوك الاجتماعي من عنصرين أساسيين: الاتجاهات attitudes، التي تمثّل البعد الذاتي للفعل، والقيم values، التي تمثّل البعد الموضوعي. أمّا الإسهام الجديد الذي قدمّه كتاب الفلاح البولندي فكان تأكيده على ضرورة تبنّي منهجية تأخذ في الاعتبار التفسير الذي يقدّمه الفاعل الاجتماعي للظروف التي يواجهها. لذا، اعتُبرت دراسة الوثائق الإنسانية human documents حجر الزاوية في منهجهما البحثي. شملت هذه الوثائق 764 رسالة متبادلة بين المهاجرين وأسرهم، إضافة إلى سيرة ذاتية autobiography من 312 صفحة كلّف المؤلّفان أحد الفلّاحين البولنديين المهاجرين بكتابتها، ثمّ قاما بتحليلها والتعليق عليها. كما استندا إلى تقارير صحفية، وسجلّات الكنائس التابعة للجاليات البولندية، ومَنُول (بيانات) الجمعيات البولندية الأمريكية، وسجلّات وكالات الخدمات الاجتماعية، فضلا عن الوثائق القضائية. وقد كُرّست هذه الأخيرة لإظهار مدى التفكك الاجتماعي social disorganization الذي شهده مجتمع المهاجرين البولنديين في الولايات المتّحدة.
كان عالم الاجتماع هربرت بلومر Herbert Blumer، أحد روّاد التفاعلية الرمزية symbolic interactionism، متعاطفا مع تركيز كتاب: الفلاح البولندي، على تفسيرات الفاعلين الاجتماعيين. لكنّه في كتابه: نقد البحث في العلوم الاجتماعية... الفلاح البولندي Critique of Research in the Social Sciences… The Polish Peasant الصادر عام 1939م، أشار إلى عدد من التحدّيات المنهجية التي تطرحها الدراسة.
أولا، على الرغم من أنّ الرسائل والسير الذاتية تُعدّ مصادر قيّمة للمَنُول، إلّا أنّه ينبغي تفسيرها في ضوء السياق الذي كُتبت فيه، والغرض الذي سعت إلى تحقيقه، والذي قد لا يكون بالضرورة فهم الذات. ثانيا، هناك مسألة التمثيلية representativeness فالأفراد الذين يمتلكون بصيرة تحليلية كافية لكتابة مثل هذه الوثائق قد يكونون غير عاديين، مما يُثير تساؤلات حول مدى قدرتها على تمثيل فئة المهاجرين البولنديين ككلّ. ثالثا، يطرح بلومر إشكالية الكفاية التفسيرية explanatory adequacy إلى أي مدى تستطيع الوثائق الإنسانية أن تعكس العوامل الذاتية المؤثّرة في الفعل الاجتماعي؟ رابعا، هناك مسألة العِوَل reliability أو العَوالة، هل هذه الوثائق توفّر معلومات جديرة بالثقة، أمّ أنّها متأثّرة بتحيّزات شخصية أو عوامل خارجية؟ أخيرا، هناك إشكالية قابلية الاختبار testability أو الخَبارة نظرا لأنّ الوثائق الإنسانية قد تدعّم تفسيرات متعدّدة، فكيف يمكن استعمالها لاختبار فرضيات متنافسة؟ وإذا لم يكن ذلك ممكنا، فكيف يمكن الادّعاء بأنّ المَنُول يدعّم التفسير الذي قدّمه توماس وزنانيكي لها؟
مع ذلك، من الإنصاف القول إنّ كتاب: الفلاح البولندي قدّم صورة أعمق عن التجربة الذاتية للمهاجرين مقارنةً بأعمال أخرى مثل أطروحة ماكس فيبر Max Weber حول الأخلاق البروتستانتية The Protestant Ethic، التي تعتمد على مقتطفات محدودة من النصوص وافتراضات فيبر حول مشاعر الكالفينيين. وعلى الرغم من الانتقادات، ما يزال هذا العمل أحد المعالم البارزة في علم الاجتماع النوعي qualitative sociology، إذ شكّل أساسا لمدرسة شيكاغو chicago school في دراسة المجتمعات الحضرية والهجرة والتغيّر الاجتماعي.