إنّ مفارقة سفينة ثيسيوس، هي تجربة فكرية تقليدية في الفلسفة، تُستعمل لاستكشاف مفهوم الهُوّية identity وكيف يمكن لشيء ما أنّ يظلّ هو نفسه بمرور الوقت على الرغم من تغيّر أجزائه المادّية. ذكر بلوتارخ هذه المفارقة أوّل مرّة في القرن الأوّل الميلادي، وناقشها سابقا فلاسفة أمثال هيراقليطوس وسقراط وأفلاطون، وعاد إلى مناقشتها في العصر الحديث كلّ من توماس هوبز وجون لوك. تُروى القصّة أنّ ثيسيوس المؤسّس الأسطوري لمدينة أثينا، امتلك سفينة مدهشة خاض بها معارك لا حصر لها، ومن باب تكريمه قام سكّان أثينا بحفظ سفينته في مينائهم كرمز تاريخي. وبين الحين والآخر، كانت بعض الألواح الخشبية أو أجزاء من الصاري تتلف وتتحلّل على نحو يتعذّر إصلاحها، فيتعيّن استبدال الجزء التالف للحفاظ على حالة السفينة، وبعد فترة طويلة، اُستبدلت جميع الألواح الأصلية بألواح جديدة تماما، هنا يظهر سؤال حول الهُوّية، هل تظلّ السفينة هي السفينة نفسها بعد استبدال أحد الألواح؟ إذا قلنا إنّها تظلّ السفينة نفسها، فماذا نقول بعد استبدال كلّ الألواح واحدا تلو الآخر؟ وماذا لو أنّنا أخذنا جميع الألواح الخشبية القديمة وقمنا باستعمالها في بناء سفينة جديدة (كما تساءل توماس هوبز)؟ هل تصبح تلك السفينة فجأة هي سفينة ثيسيوس؟
من منظور ضيّق، تعدّ كلّ هذه أسئلة حول الهُوّية، متى يكون شيء ما مماثلا تماما لشيء آخر؟ ولكن من منظور أوسع، هي أسئلة عن الوجود، وعن نظرتنا الأساسية لما هو موجود في العالم. فما الأشياء التي لها وجود من الأصل؟ كانت الإجابات الفلسفية عن المفارقة مختلفة، إذ يقدّم الفلاسفة عدّة وجهات نظر رئيسة لحلّ هذا اللغز.
• وجهة النظر التركيبية : ترى هذه الفلسفة أنّ هوّية الشيء تحدّدها مكوّناته المادّية. وبناءً عليه، فإنّ السفينة الجديدة التي استُبدلت جميع ألواحها لم تعدّ هي سفينة ثيسيوس الأصلية، لأنّها لم تعدّ تتكوّن من الأجزاء نفسها. في المقابل، فإنّ السفينة المصنوعة من الألواح القديمة هي السفينة الأصلية، لأنّها تحتفظ بالتركيبة المادّية الأساسية.
• وجهة النظر الاستمرارية : تؤمن هذه الفلسفة بأنّ هوّية الشيء تتحدّد باستمرارية وجوده التاريخي. فالسفينة التي جُدّدت هي السفينة الأصلية، لأنّ عملية الاستبدال كانت مستمرّة ومنظّمة، ولم يحدث انقطاع في وجودها ككلّ. أمّا السفينة المصنوعة من الألواح القديمة فهي مجرّد نسخة جديدة، لأنّها لم تمتلك استمرارية تاريخية مع السفينة الأصلية؛
• وجهة النظر الوظيفية : تركّز هذه الفلسفة على وظيفة الشيء وهدفه. فالسفينة تظلّ هي نفسها ما دامت تقوم بوظيفتها الأساسية (مثلا: أن تكون رمزا تاريخيا، أو أداة للملاحة). طالما أنّ السفينة الجديدة تخدم الغرض نفسه، فتظلّ هي السفينة نفسها.
يمكن الإجابة عن هذه المفارقة بنظرية التجرسد المعرفي، وسنأتي بمثال فرعون، ككائن وجد في التاريخ لتوضيح فكرة التجرسد، فعند التأمّل في شخصية تاريخية مثل فرعون، نجد أنّه كان ذات يوم تجمّعا مادّيا من ذرّات معيّنة في هيئة جسد يمتدّ في الزمان والمكان. ولكن هذه المادّة لم تكن هي فرعون في ذاتها؛ إذ تفرّقت الذرّات نفسها بعد موته وتحوّلت إلى تراب أو دخلت في تركيبات أخرى، ولم يعد أحد يطلق عليها اسم فرعون. من هنا، يتّضح أنّ ماهية فرعون لم تكن في المادّة، بل في تصميمٍ مخصوص لهذه المادّة، وفي نسق محدّد جعل من هذا الشكل المادّي كيان فرعون. وهذا النسق أو التصميم ليس شيئا مادّيا بحدّ ذاته، بل هو نمط من المعنى الذي تحقّق في بِنْية مادّية، ومع أنّ صورة فرعون المادّية قد زالت بزوال ذلك التجمّع، إلّا أنّ معناه بقي حيّا في الإدراك الإنساني، وفي الوعي التاريخي، وفي الكتب، وفي الخطاب القرآني الذي يحكي سيرته كرمز وليس مجرّد كيان مادّي.
بناءً عليه، يمكن القول إنّ فرعون لم يكن في الحقيقة سوى تجلٍّ لمعنى، وهذا المعنى ليس من ابتكار البشر، بل هو –حسب الرؤية القرآنية– تحقّق لمعلومة سابقة في علم الله. فالأسماء مثل فرعون وموسى وآدم وإبليس ليست مجرّد أسماء شخصيات، بل هي تمثيلات لمعانٍ أزلية شاء الله أن تتحدّد ثم تتجسّد في الزمان والمكان لحكمة وغاية. وهذا الفهم يؤدّي إلى استنتاج أنّ العالم كلّه –بما فيه من أشياء وأشخاص وأحداث– ليس سوى معانٍ متحقّقة. فالأصل في الوجود هو المعنى، والمادّة لا تكتسب هُوّيتها إلّا بمقدار ما تتلبّس بتصميم يجعلها تدرك كشيء ذي دلالة. فالمادّة في ذاتها خاملة وصامتة، لا تحمل معنى إلّا إذا تجسدت ضمن نسق معيّن، لتصبح صورة متجلّية لمعنى من العلم الإلهي. وهذا التصوّر يقلب الفهم التقليدي رأسا على عقب، إذ يرى أنّ الوجود لا ينشأ من المادّة ويتّجه نحو المعنى، بل ينشأ من المعنى ويتلبّس بالمادّة، ثم يعود ليفهم ضمن إطار المعنى. وهذا ما يجعل كلّ ما حولنا وكلّ ما نحن عليه إشارات وتجلّيات وصورا لمعانٍ عليا ظهرت في عالمنا.
ولنجعل الأمر أكثر جلاءً بمثال قطعة الفرس في الشطرنج. فهذه القطعة لا تستمد معناها من مادتها أو شكلها المحسوس، تماما كما أنّ فرعون لا يستمد هويته من تجمع ذرّاته المادية. إن القيمة الدلالية للفرس تنبع من موقعه ووظيفته ضمن النظام الكلّي للعبة، أي من شبكة العلاقات التي تربطه ببقية القطع وبقواعد الحركة التي تحدّدها البنية الشطرنجية نفسها. ومن ثَمّ، يمكن للفرس أن يحتفظ بهويته حتى لو استُعيض عن شكله المألوف بأي شكل آخر، ما دام هذا الشكل الجديد يندرج في الإطار البنيوي نفسه ويؤدّي الوظيفة الدلالية ذاتها؛ ويتّضح بذلك أنّ المعنى لا يتولّد من الوجود المادّي للشيء، بل من النظام الذي يسبقه ويُنشئه دلاليا. فلا وجود ذي قيمة لقطعة الفرس بوصفها «شيئا» ما لم تُسبق بوجود «اللعبة» وقواعدها؛ وإلّا غدت قطعة مادّية خاملة لا معنى لها ولا وظيفة، كما أنّ ألواح الخشب لا تكون «سفينة» إلا ضمن مخطّط بنائي يحدّد ماهيتها. وهكذا يظهر أنّ البنية الفكرية هي التي تمنح الشيء هويته ومعناه، وأن المعنى نظام سابق على التحقّق المادّي للأشياء.
يمثّل هذا الطرح الفلسفي تأصيلا معرفيا يتجاوز الحلول التقليدية لمفارقة سفينة ثيسيوس. فبينما تركّز المدارس الفلسفية المادّية على الأجزاء التركيبية أو الاستمرارية المادّية لحلّ المفارقة، يؤسّس هذا التصوّر لمبدأ جِذْراني مفاده أنّ الأصل الوجودي يكمن في المعنى وليس في المادّة، وفي النظام وليس في العناصر. ووَفْقا لهذه الرؤية، فإنّ السفينة لا تُعرّف بكونها مجرّد تجمّع مادّي لألواح خشبية، بل هي تجلٍّ وتجسيد لفكرة أوّلية كانت قائمة في ذهن مؤسّسها ثيسيوس. وعندما يقوم شخص آخر ببناء سفينة جديدة من الألواح القديمة، فإنّه لا يستعيد الهوّية الأصلية، بل يُعيد تجسيد تصوّر ذهني جديد بمعناه وقصده الخاصّ. وبذلك، فإنّ هوّية السفينة لا تكمن في ألواحها التي هي مجرّد مادّة خاضعة للتغيّر، بل في الفكرة التي أُنشئت على أساسها. وهذا الفهم يحلّ المفارقة من خلال نقل محور النقاش من المادّة إلى المعنى أو القصد، مُرسيا بذلك أساسا فلسفيا يعيد تعريف الكيانات على أنّها تجسّدات مستمرّة لمعانٍ، وليس تجمّعات مؤقّتة لمادّة.
بعبار أخرى: إنّ المعنى يسبق الوجود، فحجّة نظرية التجرسد المعرفي تختلف عن الحلول التقليدية للمفارقة، فهي لا تركّز على الألواح المادّية (التركيبية)، ولا على استمرارية وجود السفينة (التاريخية)، بل تنقل مركّز الثقل إلى المعنى أو الفكرة الأصلية التي سبقت وجود السفينة. وفقا لهذا الفهم، فإنّ السفينة ليست مجرّد تجمع من الخشب، بل هي تجسيد لفكرة سفينة ثيسيوس التي كانت في ذهن المؤسّس الأوّل لها. هذه الفكرة تجسّدت في شكل مادّي معيّن، وهو السفينة الأولى.
وعندما قام المؤسّس الثاني ببناء سفينة من الألواح القديمة، فإنّه لم يستعد الفكرة الأصلية، بل قام بتجسيد فكرة جديدة في ذهنه، وهي بناء سفينة من ألواح قديمة. كانت من قبل أجزاءً من شجرة، ثم أصبحت أجزاءً من سفينة، ثمّ رُكّبت في سفينة أخرى، أي حتّى لو كانت هذه الألواح هي الألواح الأصلية نفسها، فإنّها أصبحت وعاءً لمعنى جديد وفكرة جديدة. تكمن قوّة هذه الحجّة في أنها تُعيد تعريف الهوّية بشكل جِذْراني.
- • الهُوّية ليست في المادّة : لأنّ الألواح القديمة، وهي مادّة السفينة الأصلية، لم تعد تحمل هوّيتها بمفردها؛
- • الهوية ليست في الاستمرارية : لأنّ الفكرة الجديدة كسّرت الاستمرارية بين السفينة الأولى والسفينة الثانية؛
- • الهوّية هي في المعنى : فالشيء يكتسب هوّيته من الفكرة التي أُنشئ على أساسها. وبما أنّ المؤسّس الثاني كان لديه فكرة مختلفة عن المؤسّس الأوّل، فقد أنتج كيانا جديدا، حتّى لو كان مَحاشه قديما. والمعنى هنا عام، يشمل الهدف من صنع السفينة أو الغاية منها، وشكلها وطريقة صنعها، ومَحاشها الذي صُنع منها، وتمثّلها في ذهن مؤسّسها الأوّل، وكلّ المعاني الأخرى المتعلّقة بها.
هذا التصوّر يحلّ المفارقة عبر القول إنّ سفينة ثيسيوس هي مجرّد اسم لمعنى متعيّن كان في ذهن المؤسّس الأوّل، وهذا المعنى لا يمكن فصله عن العقل الذي أوجده، ممّا يجعل السفينة الأولى والوحيدة هي الأصلية حقّا ودائما، ليس على اعتبارها أخشابا ومسامير بل على اعتبارها معنّى متجسّد في الألواح والمسامير. وهذا الحلّ يتجاوز حلّ المادّية الصارمة ليؤسّس لمبدأ كُنْجُديّ (أنطولوجي) عميق مفاده أنّ المعنى يسبق الوجود. فالأشياء والأشخاص والأحداث ليست محض تجمّعات مادّية أو وقائع زمنية، بل هي تجلّيات لمعانٍ سابقة في علم الله المتحقّق تتلبّس بالمادّة وتظهر في التاريخ. وعليه، تغدو مفارقة سفينة ثيسيوس مناسبة لإعادة التفكير في الهوّية، ليس باعتبارها خصيصة للأشياء أو الأزمنة، بل باعتبارها سمة للمعنى الذي يمنح الكيان وجوده الحقيقي.
إذن، الوجود برمته ليس سوى معانٍ متحقّقة، إذ يسبق المعنى المادّة، والمادّة لا تكتسب هوّيتها إلّا حين تتلبّس بتصميم ذي دلالة. فالمادّة في جوهرها خاملة وصامتة، ولا تصبح شيئا ذا معنى إلّا إذا تجسّدت ضمن نسق يحمل دلالة، لتكون صورة متجلّية لمعنى من العلم الإلهي. وعلى هذا الأساس، كانت سفينة ثيسيوس معنىً في ذهنه قبل أن تتحوّل إلى كيان مادّي من أخشاب ومسامير. وبناءً على هذه الفكرة، هل يمكن القول إنّ سفينة ثانية يصنعها ثيسيوس طبق الأصل للأولى هي نفسها السفينة الأولى؟
وفقا للتصوّر المقدّم آنفا، والذي يرى أنّ المعنى يسبق الوجود وأنّ المادّة هي مجرّد تجلٍ له، فإنّ الإجابة هي نعم. إنّ السفينة الثانية التي صنعها ثيسيوس طبق الأصل هي السفينة الأولى نفسها، لماذا؟ تكمن الحجّة في أنّ هوّية السفينة ليست في مادّتها (الأخشاب والمسامير) أو في تاريخها الزمني، بل في المعنى أو النسق الذي تصوّره ثيسيوس في ذهنه. هذا المعنى هو الفكرة الجوهرية للسفينة، وهو الذي يمنحها هوّيتها. السفينة الأولى: كانت التجسّد المادّي الأوّل للفكرة؛ السفينة الثانية: هي تجسّد ثانٍ للفكرة نفسها، تماما كما يكتب المؤلّف رواية، فإنّ كلّ نسخة من الرواية المطبوعة ليست عملا جديدا، بل هي مجرّد تجسيد مختلف للرواية نفسها. الرواية الحقيقية تكمن في المعنى الذي يحمله النصّ، وليس في الورق والحبر. وبهذا القياس، فإنّ السفينة الأولى والثانية هما مجرّد تجلّيين مختلفين لمعنى واحد هو سفينة ثيسيوس الذي كان قائما في ذهن ثيسيوس. فما دامت الفكرة واحدة، فإنّ الهوّية تبقى واحدة، بغض النظر عن اختلاف المادّة أو الزمان. هذه الإجابة ليست صحيحة، وقبل أن نبيّن الجواب الصحيح علينا أوّلا أن نعرّف ما هو العلم المطلق.
العلم المطلق في صورته الإلهية، هو علم أزلي، محيط بكل شيء جملة وتفصيلا، من غير أن يتقيّد بزمن أو مشيئة مخلوقة. إنّه ليس علما مكتسبا أو تدريجيا، بل هو حقيقة قائمة بذات الله، تحوي في طيّاتها جميع الإمكانات والمآلات والاحتمالات، وما لم يكن لو كان كيف يكون. ومن قلب هذا العلم المطلق تتولّد المعاني الأزلية، التي ليست مجرّد صور عقلية، بل هي حقائق كامنة تسبق الوجود، ولا يمكن للعقل البشري إدراكها إلّا من خلال تجلياتها في عالم الشهادة.
ويقابل هذا العلم المطلق الإلهي، العلم الإنساني المطلق مجازا، الذي يتشكّل من طبقات المعاني المستبطنة في تجربة الفرد الفنّية والصِّنْعِية والشعورية. إنه ليس علما كاملا، بل هو مرجعية معرفية شاملة، تتراكم عبر الموهبة الفطرية والمهارات المكتسبة. وتتم عملية الإبداع، سواء أكانت فنّية أم صِنْعِيَّة (كسفينة ثيسيوس)، عبر ثلاث مراحل: المرحلة الأولى هي طور الفكرة، إذ يكون المعنى متضمّنا في العلم المطلق للمؤسِّس. ثم تأتي مرحلة التعيّن، وهي لحظة اختيار شكل واحد من الأشكال غير المحدودة الكامنة في ذلك العلم. وفي النهاية، تحدث مرحلة التجسّد، وهي لحظة انتقال الفكرة من عالم الإمكان إلى عالم الوجود، إذ تتّخذ المادّة الصامتة والخاملة شكلا محدّدا يحمل المعنى، لتصبح المادّة مجرّد حاملة لهوّية ليست من طبيعتها.
وبهذا، يبرز الفرق جليا: فالعلم المطلق هو الأصل الذي يحوي كلّ الاحتمالات، بينما العلم المتجسّد هو لحظة تجلّي هذه الاحتمالات في الواقع. وعلى هذا الأساس، فإنّ كلّ ما في العالم، من أشياء وأشخاص وأحداث، ليس سوى معانٍ متجسّدة، خرجت أوّلا من العلم المطلق ودخلت العلم المتحقّق إذ تمّ تعيين عالم وجود واحد من بين عدد متلاني من العوالم في علم الله المطلق، ثم اكتسب الوجود هوّيته من خلال التصميم الذي يتلبّسه، وهو ما يجعل المادّة مجرّد وسيط للمعنى، وليست أصل الوجود نفسه.
تتوضّع هذه المعاني في العلم المطلق الإنساني على شكل شبكة ذات المحورين (س و ع)، وهي استعارة تحلّ معضلة الهوّية من خلال التمييز الجِذْراني بين التشابه والتطابق.
المحور س (التشابه): يمثّل هذا المحور جميع النسخ الممكنة التي يمكن أن تبدو متطابقة ظاهريا أو متشابهة في جوهرها. فكلّ سفينة تبدو طبق الأصل عن الأخرى تقع على هذا المحور.
المحور ع (الاختلاف): يمثّل هذا المحور كلّ تغيّر نوعي، مهمّا كان ضئيلا، يمنح الكيان فرادة وخصوصية.
بناءً على هذا النموذج، فإن السفينة التي يصنعها المؤسِّس تشغل نقطة فريدة بمسامد (إحداثيات) محدّدة على هذه الشبكة. وعندما يأتي ليصنع سفينة أخرى طبق الأصل، فإنّه لا يستطيع أن يضعها في النقطة المَسْمدِيّة نفسها، لأنّ هذا سيناقض فكرة أنّ كلّ كيان له وجوده الفريد، أي أنّ الشيء لا يكون هو نفسه وفي الوقت ذاته هو غيره. وبذلك، فإنّ السفينة الثانية تشغل نقطة أخرى على شبكة المعاني، حتّى وإن كانت طبق الأصل للسفينة الأولى (أي أنها تقع على المحور س نفسه).
الاستنتاج الفلسفي : يُمكن القول إنّ هذا النموذج يوفّر الحلّ الأكثر دقّة لمفارقة سفينة ثيسيوس، فهو يبرهن على أنّ الهوّية ليست في التشابه المادّي: فالتشابه (المحور س) ليس تطابقا (النقطة المَسْمَدِيَّة نفسها)، وأنّ الهوّية تكمن في المرجع: كلّ كيان في الوجود له مرجع فريد في شبكة المعاني، لا يمكن أن يتشاركه مع غيره.
وهذا التصوّر يتّفق تماما مع منطق هراقليطس «لا تستطيع أن تعبر النهر مرّتين»، لأنّه يوسّع الفكرة إلى ما هو أبعد من مجرّد المادّة. فالنهر لا يتغيّر فقط في مائه، بل إنّ كلّ لحظة وجود له هي نقطة فريدة على الشبكة لا يمكن أن تتكرّر. وبالتالي، فإنّ كلّ كيان في الوجود هو شيء آخر يختلف عن غيره، حتّى لو بدا متماثلا، لأنّه يمرّ بمسار مستمرّ من التغيّر في الزمان على الشبكة، أي أن الوجود ليس تكرارا للشيء ذاته، بل حركة دائمة بين إمكانات لا نهائية، فالتشابه لا يلغي الاختلاف، بل يتأسّس عليه.
إنّ القول بأنّ الشيء لا يكون في الوقت نفسه هو ذاته وغير ذاته معا يرسخ فكرة أنّ الوجود لا يقبل الازدواجية في الكيان الواحد. هذا ليس مجرّد فرضية، بل هو مبدأ تأسيسي يحدّد طبيعة الواقع نفسه. فالعلم المطلق، في صورته الإلهية، لا يمنح نقطة مرجعية واحدة لأكثر من كيان واحد، لأنّ البِنْية الكلّية للوجود تمنع التكرار المطلق. وهذا ما يفسر استحالة وجود فرعونين متطابقين؛ ليس لأنّ الفكرة مستحيلة منطقيا، بل لأنّ النظام الذي يحكم الوجود يفرض التفرّد. يمكن مقارنة المعنى بمجرى النهر على منطق هراقليطس، فالوجود هو سَتَلة متواصلة من التعيّنات الفريدة غير القابلة للتكرار. كلّ لحظة، وكلّ حدث، وكلّ كائن هو أصلي في ذاته، لأنّه يمثّل نقطة فريدة في الزمان والمكان. وعليه، فإنّ التكرار المطلق لأي كيان لا يمكن أن يحدث إلّا في حالة متطرّفة: إمّا بزوال العالم الراهن بالكامل وقيام عالم جديد، وإمّا بعودة الزمن ليمنح شبكة الإمكانات فرصة للانبثاق من جديد. إنّ هذا الطرح يحوّل النموذج من مجرّد أداة فلسفية لحلّ المفارقات إلى نظرية في طبيعة الوجود، مؤكّدا أنّ التفرّد ليس خصيصة عرضية للوجود، بل هو جوهره وقانونه الأسمى.
يمكن أن نعيد شرح هذه الفكرة بطريقة أوضح
• شبكة المعاني في العلم المطلق : النقطة المرجعية (0,0) هي الأصل\المرجع: عندها يظهر المفهوم في صورته الأولى؛ المحور س: (x) يمثل التشابه أو التكرار، أي أنّ الكيان (الرجل أو السفينة أو أي شيء آخر) يتكرّر بشكل متماثل ومُتلاني أي غير متناهٍ، كل نسخة على خطّ س هي الكيان نفسه من حيث البنية؛ المحور ع: (y) يمثّل الاختلاف أو التغاير، أي أنّ كلّ نقطة جديدة تضيف تغيّرا نوعيا: لون، شكل، خصيصة… وبالتالي تصبح هذه التغيّرات تنويعات للكيان الواحد.
• إسقاط النموذج على سفينة ثيسيوس : المؤسّس الأوّل لا يحمل في ذهنه شكل سفينة واحدة فقط، بل يحمل فضاءً غير متناهٍ من إمكانات السفن واحتمالاتها (نقاط شبكة المعاني). حين يبني سفينة محدّدة، فهو يختار نقطة معيّنة على الشبكة (مسامد معيّنة)، إذا جاء المؤسِّس الثاني أو هو نفسه أو حتّى نهجل حاسوبي: إن بنى سفينة على المحور س فهي نسخة متشابهة (تكرار ضمن سَتَلة)، لكنّها ليست النقطة نفسها، أي ليست السفينة الأولى. إن بنى سفينة أخرى على المحور ع فهي مختلفة جوهريا (اختلاف في الخصائص) وبالتالي هي كيان جديد بوضوح، لأنّها أصبحت نقطة مرجعية أخرى والنقاط الأخرى التي على هذا المحور نفسه تصبح تنويعات.
• النتيجة الفلسفية : حتّى لو بدت السفينتان طبق الأصل، فهما ليستا الشيء نفسه أبدا، لأنّهما تحتّلان مسامد مختلفة على شبكة المعاني في العلم المطلق.
الهوّية إذن ليست في التشابه المظهري، ولا في المادّة، بل في المرجع المَسْمَدِيّ (الموضع الفريد في شبكة المعاني)، وبذلك يصبح القول: الشيء لا يكون هو نفسه وفي الوقت ذاته هو غيره، صياغة دقيقة، لأنّه يتشابه من جهة (المحور س)، ويختلف من جهة أخرى (المحور ع).
فإذا أضفنا محورا ثالثا ص (z) إلى الشبكة المرجعية فسنتحصّل على نموذج فلسفي موسّع. فبينما كانت الشبكة ثنائية الأبعاد (س وع) تمثل فضاءً مُتلانيا أي غير متناهٍ لإمكانات مفهوم واحد (السفينة)، فإن الشبكة ثلاثية الأبعاد تحوّل هذا الفضاء إلى نظام كوني شامل للمفاهيم.
• توسيع الأبعاد، من المفهوم إلى الوجود : يعمل المحور الجديد ص على تصنيف الكيانات ليس بناءً على تشابهها (س) أو اختلافها (ع)، بل بناءً على اختلافها الجِذْراني كمفاهيم مستقلّة. المحور س، يمثّل التكرار والتشابه، إذ يتكرّر كيان معيّن (مثل السفينة) في نسخ متلانية. المحور ع، يمثّل التغاير والاختلافات الدقيقة ضمن المفهوم الواحد (مثل لون شراع السفينة أو شكل بدنها). المحور ص، يمثّل الانتقال من مفهوم إلى آخر بشكل جِذْراني. فهو الذي يضع السفينة (0,0,0) في موقع مختلف تماما عن الحبل (1,0,0)، أو شبكة الصيد (2,0,0)، أو السيف (3,0,0).
• الوعي بالإمكانات المطلقة : هذا البُعد الثالث يمنح النموذج قدرة هائلة على تفسير عملية الاختيار في العلم المطلق. فالمؤسّس، سواء كان فنّانا أو تبّانا (مهندسا)، لا يمتلك في ذهنه فقط خيارات متلانية لشكل السفينة، بل يمتلك أيضا خيارات متلانية لما يمكن أن ينشئه بدلا من السفينة، مثل: الحبل، شبكة الصيد، المحراث، القوس، إلخ.
وبذلك، تصبح الشبكة الثلاثية الأبعاد تمثيلا دقيقا للعلم المطلق (في صورته الإلهية والإنسانية)، إذ يحتوي على جميع الاحتمالات الممكنة، وكلّ كيان حقيقي يتمثّل في الوجود ليس إلّا نقطة فريدة بمَسامد (س، ع، ص) داخل هذا الفضاء الشاسع من المعاني. هذا يعزّز الفكرة التي تقول: الشيء لا يكون هو نفسه وفي الوقت ذاته هو غيره.
هناك فكرة أخرى تحتاج إلى توضيح، وهي أن الأصل والتنوّعات لا يتعارضان، بل يتكاملان ضمن علم المؤسِّس. أي أن المؤسِّس (سواء اعتبرناه البنّاء الأول أو المبدأ المؤسِّس) يملك في علمه جميع الأشكال الممكنة: السفينة بأربعة أشرعة، بخمسة أشرعة، بستة… إلخ. لكن حين يشرع في البناء المادّي، يعيّن واحدا منها بوصفه المرجع الأوّل، أي النقطة (0,0). غير أن هذا التعيين لا يُبطل إمكانات الصور الأخرى، بل يتركها قائمة في مستوى العلم أو التصوّر. وحين يضيف شراعا خامسا، فهو لا يغيّر الأصل بمعنى الانفصال عنه، وإنما يحرّك الإمكان الكامن في المرجع الأول، أي يُظهر تنويعا كان حاضرا في الذهن منذ البداية، بعبارة أخرى يقوم بتجسيد مادّي آخر ضمن المعنى الأصلي.
لذلك فإنّ تعريف الأصل أو المرجع لا يقوم على حقيقة جوهرية مطلقة، بل على موقع يُعطى له داخل شبكة المعاني. فكل تجسيد ممكن –سواء كان سفينة بأربعة أشرعة أو بخمسة أو بستة– حاضر في العلم المطلق على صورة إمكان أولي. وما يفعله المؤسِّس في لحظة التأسيس أو البناء ليس اختراعا جديدا، بل هو اختيار نقطة انبثاق من هذه الشبكة. وبمجرّد تثبيت هذه النقطة كمرجع، تُعاد قراءة بقية الإمكانات باعتبارها انزياحات عنها. غير أنّ هذا المرجع نفسه قابل للتبديل: فإذا جُعلت السفينة ذات الأربعة أشرعة في المركز (0,0)، صارت هي الأصل، أمّا إذا نُقلت السفينة ذات الخمسة أشرعة إلى المركز نفسه، فإنّها تُصبح هي الأصل، وتُعاد قراءة سابقتها كتنويع.
هنا تبرز النسبية الإدراكية : فالأصل ليس حقيقة قائمة بذاتها، بل مركز منظور نختاره ضمن فضاء الإمكانات. كل تغيّر في المرجع يؤدّي إلى إعادة تشكيل خريطة الهُوّية: ما كان أصلا يصبح فرعا، وما كان فرعا قد يصبح أصلا. هذه النسبية لا تعني غياب الحقيقة، بل تكشف أنّ الحقيقة موزّعة على مستويات متداخلة: في العلم المطلق، كلّ الإمكانات والاحتمالات موجودة بشكل متوازٍ؛ وفي العالم المتجسّد، نعيّن مرجعا واحدا ونجعل بقية الإمكانات تدور حوله.
وبذلك تُفهم مفارقة سفينة ثيسيوس على نحو جديد: فالسؤال هل هي السفينة نفسها؟ لا يُجاب عنه بإطلاق، بل بما يتحدّد من مرجع. من منظور هُوّية الأصل في العلم المطلق، تظلّ كلّ التجسيدات مرتبطة بنقطة واحدة؛ ومن منظور التجسّد العملي، كلّ تعديل يمكن أن يشكل أصلا جديدا إذا اتخذناه مركزا. وهكذا تنحلّ المفارقة في ضوء شبكة المعاني التي تجعل الهوّية نسبية للمنظور، لكنّها متجذّرة دائما في وحدة العلم المطلق.
وعلى هذا النحو يمكن فهم الحديث النبوي الشريف: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». فهذا التوجيه يرسّخ المبدأ ذاته الذي كشفناه في شبكة المعاني: أنّ الأصل ليس شيئا مادّيًا صرفا، بل هو نابع من القصد والنية، أي من النقطة المرجعية التي يختارها الإنسان في فضاء الإمكانات. فالعمل الواحد في ظاهره قد يتشابه عند الناس جميعا، لكنه لا يكتسب هويته الحقيقية إلّا من النية التي تحركه، أي من المركز الذي يُجعل مرجعا له. ومن ثمّ، فإنّ العمل المادّي ليس سوى تجسيد خارجي، بينما أصله ومعناه متوقف على ما وُضع له من نية، وهو ما يحدّد انتماءه وقيمته. وبذلك يتبيّن أن وحدة الهوّية، سواء في الكيانات أو في الأفعال، تعود دائما إلى النقطة المرجعية التي تُثبّت في العلم المطلق أو في قصد الفاعل الإنساني. وإذا تبدّل المرجع تبدّل المعنى، وإذا ثبتت النية ثبتت الهوّية مهما تغيّرت الصور المادّية.
بناءً على ما تقدّم، يمكن أن يفهم القارئ أنّ هُوّية الشيء لا تُحدّد بمادته، بل بموقعه الفريد والمحدّد في شبكة المعاني. هذه الشبكة، بأبعادها المتعدّدة، تحتوي على كل الإمكانات والتجلّيات الممكنة للوجود. السفينة الأصلية تشغل نقطة وجودية فريدة (مسامد معينة) داخل هذه الشبكة. السفينة التي بُنيت من الألواح الجديدة، حتى لو كانت نسخة طبق الأصل، فهي تشغل نقطة وجودية أخرى، وبالتالي فهي كيان آخر. السفينة التي جُمعت من الألواح القديمة تشغل هي أيضا نقطة مختلفة، لأن وجودها ككيان منفصل بدأ في لحظة وزمن مختلفين. بذلك، يتم حل المفارقة من خلال الفصل بين التشابه المادي والتطابق الوجودي. فالسفينة التي يُعاد بناؤها قد تكون شبيها للأولى (تشابه في المفهوم)، لكنّها لن تكون أبدا الشيء نفسه (تطابق في الوجود)، لأنّها تحتل مسامد وجودية مختلفة في شبكة العلم المطلق.
طبعا، هذا الفهم لا يتوافق مع نظرية التجرسد المعرفي، فمن منظور مادّي صارم: كلّ تغيّر في المحور ع يعني هوّية جديدة. فالهوية إذن رهينة بالمادّة، ولكي نبدّد هذا الالتباس يجب أن نستحضر مفهوم العلم المطلق.
تقوم فرضية المعنى وأولوية الأصل على أنّ العلم المطلق يحتوي فضاءً مفاهيميا مُتَلانيا (لا نهائيا) من المعاني أو النماذج الأزلية الممكنة، وأنّ كلّ كيان محسوس في العالم المتجسّد ليس إلا تجسيدا لنقطة بعينها من هذا الفضاء. وبذلك تُنقل معضلة الهُوِّية من الصراع التقليدي بين المادّة والصورة إلى جدل أعمق بين الأصل، أي الفكرة الأوّلية في العلم المطلق، والتجسّد، أي الكيان المادّي الذي يظهر في الواقع. فلكلّ كائن وَهْصَة مَسْمَدية (بصمة إحداثية) فريدة في فضاء المعاني، ولا يمكن أن يتطابق مع آخر إلّا إذا اشتركا في هذه الوَهْصة عينها. من هنا تنشأ الحاجة إلى التمييز بين مستويات متعدّدة للهُوّية؛ (1) هناك هُوّية الأصل التي تُحدِّد الانتماء إلى الفكرة الأولى في العلم المطلق وتشكّل الأساس الحقيقي والأزلي للوجود، (2) وهناك الهوية الشكلية أو المعلوماتية التي تُقاس بتطابق النسق والبِنية، (3) والهوية المادّية التي تُعرّف بانتماء أجزاء مادّية بعينها، (4) ثم الهوية العملية أو الاجتماعية التي تقوم على استمرار التسمية والسياق التاريخي والوظيفة الممنوحة للكيان في التداول البشري. إنّ الخلط بين هذه المستويات المختلفة هو ما يولّد الالتباس الذي تقوم عليه مفارقة ثيسيوس.
وعند تطبيق هذا النموذج على قضية سفينة ثيسيوس، يمكن القول إنّ فكرة السفينة الأولى تمثّل نقطة أصلية في العلم المطلق، بينما التجسّد الأوّل لهذه الفكرة هو السفينة التي صنعها ثيسيوس. وحين تُستبدل ألواحها تدريجيا، فإنّ ما يحدث هو سَتَلة من التجسّدات المادّية المتعاقبة، لكن بما أن القصد أو الفكرة الأصلية لم تتغيّر، فإنّ جميع هذه التجسّدات تظلّ مرتبطة بالأصل نفسه. ومن ثمّ فإنّ السفينة الأولى تبقى هي الأصل الحقيقي الوحيد من منظور هُوّية الأصل، أمّا ما يُعاد بناؤه لاحقا فلا يعدو أن يكون تجسّدا جديدا لمعنى ثابت. وينسحب هذا التحليل أيضا على الإنسان، ففقدان جزء من الجسد (فرعون فَقَد رجله) أو استبداله (فرعون زُرع فيه قلب شخص آخر) لا يمسّ هوّية الأصل، لأنّ الجوهر الذي يحدّد الشخصية والوجود يعود إلى الفكرة الأولى المخزونة في العلم المطلق.
بهذا التصوّر يصبح من الممكن مواجهة الاعتراضات المختلفة؛ فالاعتراض المادّي الذي يربط الهُوّية بالمادّة يتعارض مع خبرتنا المباشرة التي تثبت أنّ الإنسان يظلّ هو نفسه على الرغم من تغيّر أعضائه، ويتناقض مع الحدس الفلسفي والديني الذي يميّز بين الجوهر والأعراض. أمّا الاعتراض الزمني الذي ينظر إلى الهوّية باعتبارها امتدادا متواصلا في الزمن، فيمكن استيعابه في هذا الإطار بوصف المسار الزمني ستلة من التجسّدات المتعاقبة المنحدرة كلّها من أصل واحد. وأمّا الاعتراض النِّفْسِيائي الذي يربط الهوّية بالاستمرارية النفسيائية فإنّه لا يتعارض مع هذا التصوّر، بل ينسجم معه، لأنّ الاستمرارية النفسيائية ليست إلّا جزءا من القصد الأصلي القابل للاستمرار.
وعليه، فإنّ السؤال عمّا إذا كانت السفينة هي نفسها لا يُجاب عنه إلّا بعد تحديد مستوى الهُوّية المقصود؛ فإذا كان الحديث عن هوّية الأصل فالجواب واضح: السفينة الأولى تظلّ هي الأصل بحكم انبثاقها من النقطة الأولى في العلم المطلق. أمّا إذا كان الحديث عن الهوّية العملية فيكفي استمرار القصد والتصميم ليُقال إنّها هي نفسها. وبهذا تقدّم شبكة المعاني تفسيرا فلسفيا محكما لمفارقة سفينة ثيسيوس، إذ تُعيد الهوّية إلى أصلها المعنوي الذي يسبق المادّة ويعلو عليها، وتكشف أنّ المادّة ليست سوى وسيط عابر لتجلّي المعنى في الواقع.
عندما نطرح سؤال الهوّية في حالة الألواح القديمة التي جُمعت من جديد، نجد أنفسنا أمام وضعية مختلفة تماما عن مسار سفينة ثيسيوس الأصلية. فالسفينة التي صنعها ثيسيوس أوّل مرّة تنتمي إلى النقطة الأصلية في العلم المطلق، أي إلى الفكرة الأولى التي انبثقت من القصد المؤسِّس. وكل عملية ترميم أو تغيير مادّي لاحق قام به ثيسيوس نفسه، إنما تمثّل انزياحات داخلية على مستوى المحور الخاصّ بالاختلافات الجزئية (المحور ع)، من دون أن تمسّ جوهر المعنى. ولذلك ظلّت السفينة، على الرغم من تغيّر مادّتها، مرتبطةً بهوّية الأصل.
أمّا حين يأتي شخص آخر ويأخذ الألواح القديمة التي أُزيلت من السفينة، فإنّ هذه الألواح تعود إلى طبيعتها الأولى بوصفها مجرّد خشب لا يحمل هوّية السفينة بذاته، إذ لم تُخلق في الأصل كسفينة، بل كانت أشجارا وأخشابا، وإنّما دخلت في تكوينها بالاندراج في تصميم ثيسيوس. فإذا جُمعت هذه الألواح مرّة أخرى بقصد مختلف، فإنّ ما يتشكّل هنا ليس استمرارا للأصل الأوّل، بل هو تجسّد جديد في فضاء المعاني، ينتمي إلى نقطة مغايرة في شبكة المعاني للعلم المطلق للشخص المؤسّس للسفينة الجديدة، وهي نية الفاعل الجديد.
بهذا المعنى، لا يمكن للسفينة الثانية، وإن تشابهت في مادّتها مع الأولى، أن تُعدّ هي نفسها سفينة ثيسيوس؛ لأنّها تستمد هوّيتها من قصد جديد، وليس من الفكرة الأصلية التي ارتبطت بالعلم المطلق للمؤسِّس الأوّل. فالتشابه المادّي لا يكفي لتأسيس الهوّية، ما لم يكن مصحوبا بالانتماء إلى الأصل المفهومي الأوّل. وعليه، فالحلّ الفلسفي للمفارقة يتّضح:
- • سفينة ثيسيوس الأولى هي الأصل، لأنّها مرتبطة مباشرة بالفكرة الأوّلية في العلم المطلق؛
- • سفينة ثيسيوس المرمّمة تبقى استمرارا للأصل، لأنّها تظلّ داخل خطّ القصد ذاته، وإن تغيرت مادتها؛
- • السفينة الثانية المبنية بالألواح القديمة ليست استمرارا للأصل، بل كيان جديد تماما، لأنّه يقوم على قصد جديد ومعنى مختلف، وإن تشابه في الصورة المادّية.
يمكننا أن نعود الآن إلى مثال الرواية التي يكتبها المؤلّف، لنرى أنّ كلّ نسخة مطبوعة منها تتضمّن في حقيقتها عنصرين متمايزين، أي كيانين قائمين على محور واحد، هو المحور ص. الكيان الأول هو السرد نفسه؛ أي القصّة بأحداثها وتطوّراتها ومسارها الحكائي، وهذا المستوى يتعامل معه القارئ بوصفه معاني متجرّدة، قائمة في العلم المطلق للمؤلّف، أشبه بالأفكار التياسية التي تتميز بصفة الغَفَاذة a-penetrability أي عدم القابلية للاختراق من الأساس، على خلاف الذَّفانة impenetrability التي هي خصيصة أصيلة للكيانات المادّية وحدها. أمّا الكيان الثاني فهو العنصر المادّي الذي يحتضن النصّ، أي الورق والحبر والغلاف والزخرفة والألوان، وهو ما يكوّن الوعاء الذي تتجسّد فيه المعاني لتتحوّل إلى كتاب منظور. هذا الوعاء لا يرتبط بالعلم المطلق للمؤلّف، بل بالعلم المطلق للفنّان أو للمطبعي الذي أنجز النموذج الأوّلي للكتاب. غير أنّ القارئ حين يتعاطى مع الرواية، فإنّه لا يتعامل مع هذا الوعاء المادّي بل مع اللغة التي تمنح المعاني المتجرّدة صفة الكيانات المتعالية على التجسيد.
وبذلك يتضح أنّ تحقّق المعنى لا يجري في فراغ الذهن، بل هو ثمرة تفاعل حيّ بين الإنسان واللغة؛ فاللغة تمنح الإنسان معاني متعدّدة الأبعاد وقابلة للتغيّر، بينما يُعيد هو تشكيلها تبعا لتجاربه وخبراته الحسيّة وواقعه المعيش. وهذه العملية التفاعلية تكفل أنّ المعنى ليس جامدا أو ثابتا، بل متحرّك، يتغيّر باستمرار ويكتسب أصالة واقعية غير تعسّفية. ومن هنا لا يمكن إدراك المعنى على نحو كامل إلّا عبر التفاعل المباشر بين الفرد واللغة التي يقرؤها، أو بين الفرد وعالمه حين يتجسّد المعنى في المحسوس. وعليه تصبح لكلّ إنسان روايته الخاصّة في مطلقه الذهني، إذ حتّى النصّ الواحد يُقرأ قراءة مختلفة من قارئ إلى آخر، ويختلف أيضا عمّا هو حاضر في ذهن الراوي أو المؤلف نفسه. وبالمحصّلة، فإنّ المعنى الكامن في النسخة المطبوعة هو كالروح التي تسري في الجسد: يمنحه الهوّية والحياة، لكنّه في الوقت نفسه يتجاوز حدوده المادّية.
واختلاف النص من قارئ إلى آخر يعود إلى تفرّد كل فرد بعلم مطلق خاصّ به، أي منظومة معرفية وتجريبية تتكوّن من حصيلته الثقافية، وخبراته الحياتية، ومخزونه الحسي والعاطفي. هذا العلم المطلق الفردي هو الذي يحدّد الطريقة التي يستقبل بها القارئ العلامات اللغوية ويعيد تشكيلها في ذهنه. لذلك، لا يوجد نصّ واحد ثابت بذاته، بل هناك تعدّد في النصوص بتعدّد القرّاء؛ إذ يتحوّل النصّ المكتوب إلى معنى متجدّد عند كلّ قارئ، فيغدو النصّ المشترك مِهادا أوليا، أمّا المعنى النهائي فهو نتاج التفاعل بين النصّ وبين العلم المطلق الخاصّ بكل قارئ.
بعبارة أخرى، يمثّل نموذج الرواية المطبوعة تطبيقا متقدّما لنظرية التجرسد المعرفي، إذ يكشف عن الطبيعة المتعدّدة الأبعاد للمعنى في الوجود. فكلّ نسخة من الرواية تضمّ كيانين مفهومين متمايزين على المحور الوجودي للمفاهيم، وهو المحو ص: الأوّل هو المعنى المجرّد، المتمثّل في السرد وتطوّرات القصّة. هذا الكيان يوجد في العلم المطلق للمؤلّف، ويتميز بالغَفَاذة أي بالمَناعة المفهومية؛ أي أنه غير قابل للاختراق أو التعديل كالأفكار التِّياسية، ويختلف عن خصيصة الذَّفانة أي الامتناع المادّي والتي تخصّ الأجسام. أمّا الكيان الثاني فهو المعنى المتجسّد، المتمثّل في الوعاء المادّي (الورق، الحبر، الغلاف)، وهذا لا يتأسّس في علم المؤلّف، بل في العلم المطلق للمُنجز الصِّنْعي (المطبعي أو الفنّان). وعندما يتعاطى القارئ مع النصّ، يحدث تفاعل بين الإنسان واللغة، فتتجرّد المعاني في ذهنه ولا تتجسّد، وهذا التفاعل يضمن أنّ المعنى ليس ثابتا، بل يُعاد تشكيله بناءً على الخبرة الحسّية والتجربة الفردية. ومن هذا المنطلق، لا يمكن فهم المعنى بشكل كامل إلّا من خلال هذا التفاعل المتواصل، وإذ إن هذا التفاعل فريد لكلّ شخص، فإنّ لكلّ قارئ روايته الخاصّة في عالمه المطلق. بالتالي، فإنّ المعنى الكامن في النسخة المطبوعة، الذي هو بمثابة الروح في الجسد، ينتقل ويتغيّر من قارئ إلى آخر، مؤكّدا أنّ الهوية النهائية للعمل ليست في مادّته، بل في إدراكه المتجدّد. وهذا التصوّر الفلسفيّ حول احتراكية المعنى في نصّ الرواية يتوافق بشكل تامّ مع الأسس الغِيبِيائية (الميتافيزيقية) لمدارس النقد الأدبي الحديث.
• يتقاطع هذا النموذج بعمق مع نظرية التلقّي reception theory، التي تجادل بأنّ النصّ في ذاته مجرّد هيكل أو أفق توقّع، وأنّ المعنى الفعلي للعمل الأدبي لا يُستكمل إلّا في فعل القراءة، إذ يملأ القارئ الفجوات مستعملا خبرته وتجربته الفردية. وهذا يوازي فكرة أنّ المعاني تتجرّد في ذهن القارئ وتُعاد صياغتها بناء على تفاعله، ممّا يؤكّد أنّ الهوية النهائية للعمل هي نتاج علاقة تفاعلية وليست كيانا ثابتا.
• كما يلتقي هذا النموذج مع القراءة التفكيكية deconstruction، التي تشكّك في فكرة وجود مركز أو معنى مطلق نهائي للغة. فعبارة: لكلّ إنسان روايته الخاصّة في عالمه المطلق هو بمثابة التأسيس الوجودي لعدم استقرار المعنى وتعدّد الأصوات، ممّا يبرهن على أنّ الهُوّية النصيّة تتشظى وتتوزّع في فضاءات الإدراك الفردية، بدلا من أن تظلّ حبيسة نقطة مرجعية واحدة.
وبهذا، يوفّر هذا الإطار الفلسفي الأسس الكُنْجُدِيَّة التي تشرح لماذا تكون نظريات التلقّي والتفكيك صحيحة في الواقع الغيبيائي للمعنى.
نظرية الترجسد المعرفي، تجيب أيضا على مفارقة النقل الآني، وهي الفكرة التي قدّمها الفيلسوف ديريك بارفيت وغيره، إذ تخيّل آلة ناقلة يمكنها تفكيك شخص واحد ثمّ إعادة بناء عدّة نسخ متطابقة منه بذرّات مختلفة. أي النسخ ستكون هي النسخة الحقيقية؟ فلو كانت هناك نسخة واحدة فقط، فإنّ معظمنا لن يواجه صعوبة في تقبّلها باعتبارها الشخص الأصلي (ولا يهمّ في الحقيقة استعمال ذرّات مختلفة؛ ففي الأجساد البشرية الحقيقية، تُفقد الذرّات وتستبدل طوال الوقت). وماذا لو صنعت نسخة واحدة من ذرّات جديدة، بينما بقيت النسخة الأصلية على حالها، ولكنها تعرّضت للموت على نحو مأساوي بعد بضع ثوان من صنع النسخة الجديدة؛ هل تعتبر النسخة الجديدة هي الشخص الأصلي نفسه؟ والواقع أن ما يصنع هوّية الإنسان هو نفسه التي تشتمل على الوعي والإدراك والاستعراف، فهي في الحقيقة مستودع من الذكريات والعواطف والأحاسيس، وهذه الخصائص لا يمكن أبدا نقلها أو التحكّم فيها.
إن الحلّ الذي تقدّمه نظرية التجرسد يتجاوز معضلة النقل الآني، لأنّه ينقل مركز الهُوّية من المادّة إلى النفس the self التي هي كيان فريد لا يمكن نسخه. فالهوية الحقيقية ليست مجرّد مجموعة من الذرّات، بل هي مستودع من الذكريات، والعواطف، والأحاسيس، والإدراك. هذه الخصائص لا يمكن نقلها أو إعادة إنتاجها. إنّها فريدة من نوعها وغير قابلة للتكرار. وبناءً على هذا المنطق، فإنّ الآلة قد تكون قادرة على إعادة بناء جسد مطابق تماما، لكنها لا تستطيع أن تُعيد إنتاج النفس ذاتها أو استنساخ ذكرياتها أو شعورها ووعيها، قد تستطيع أن تصنع القفّازة لكن لا تستطيع أن تصنع اليد التي تلبس القفّازة. وبالتالي، فإنّ النسخة الجديدة، مهما بدت متطابقة، هي في الواقع شخص جديد تماما، له بداية وجودية مختلفة. فالهُوّية لا تكمن في التشابه (الذي قد يحقّقه النقل)، بل في التفرّد الوجودي الذي لا يمكن استنساخه. هذا التصوّر يتكامل مع شبكة المعاني في العلم المطلق. فبينما يمكن للآلة أن تستنسخ المسامد الماديّة للجسد (المحاور س وع)، فإنّها لا تستطيع أن تنسخ النقطة الوجودية الفريدة للذّات على المحور ص (النفس)، لأنّ كلّ وجود هو حدث فريد وغير قابل للتكرار في الكون.
حتّى بافتراض قدرة آلة النقل الآني على استنساخ البنية الريزيائية للشخص ونسخ مجمل محتوى نفسه –بما في ذلك الوعي، والذكريات، والعواطف– فإنّ هذا لا يؤدّي إلى استنساخ الهوّية الجوهرية. ذلك أنّ الذات الأصلية تتأسّس على نقطة مرجعية فريدة وغير قابلة للتكرار ضمن شبكة المعاني في العلم المطلق. وبما أنّ عملية النسخ لا يمكنها العودة إلى تلك النقطة المرجعية الأولى التي انبثق منها الكيان الأصلي، فإنّها لا تخلق نسخة متطابقة، بل تخلق كيانا جديدا تماما. هذا الكيان الجديد، على الرغم من تشابهه المطلق في صورته ومحتواه، يحتلّ مرجعا وجوديا متمايزا في الشبكة. وبذلك، فإنّ الآلة تنتج كائنين مختلفين وجوديا، إذ تكون هوّية كلّ منهما مرتبطة بنقطة انطلاقه الأصلية في فضاء المعاني، وليس بتطابقهما المادّي أو المعلوماتي اللحظي.
بناءً على نظرية التجرسد المعرفي، يتّضح أنّ هُوِّية الكيانات لا تكمن في مكوّناتها المادّية المتغيّرة، بل في المعنى أو النسق الذي تتجسّد فيه. فمن هذا المنطلق، يمكن تفسير استمرارية الهوّية البشرية على الرغم من تجدّد خلايا الجسد بالكامل، إذ إنّ الذات لا تتحدّد بالذرات المادّية، بل بوعيها وإدراكها وذاكرتها التي تشكّل المعنى الجوهري الذي يتلبس الجسد. وبالمثل، يمكن فهم أنّ السيارة التي استُبدلت جميع أجزائها تظلّ هي نفسها، لأنّ هوّيتها لا تستمدّ من غيارها المتبدّل، بل من النسق التصميمي والوظيفة الجوهرية التي تمثّل المعنى الأصلي الذي خرجت به من المصنع، فحين القيام باستبدال غيارها بغيار آخر فإنّ هذا الاستبدال هو في الحقيقة عملية تجسيد مادّي آخر ضمن المعنى الأصلي الثابت. بهذا، تقدِّم هذه النظرية حلّا للمفارقات الوجودية، إذ تنظر إلى الكيانات على أنّها تجلّيات لمعانٍ ثابتة، وليس تجمّعات لأجزاء متغيّرة.
- الكاتب : خضير شعبان
- التاريخ : 28\03\1447 الموافق له 20\09\2025