✦ لفهم الفرق بين البَدَهِيَّة axiom والبَرَهِيَّة theorem، بوضوح يمكننا الاستعانة بمثال واقعي بسيط وقابل للتجسيد من الحياة اليومية: وهو الشطرنج. فعلى الرغم من كون الشطرنج لعبة، إلّا أنّها تحاكي في بِنْيتها المنطقية البِنَى الاستدلالية للأنظمة الصورية في التياسة والمنطق.
أولا : البدهيّات – في نظام الشطرنج، هناك مجموعة من القواعد الأوّلية التي تُشكّل الإطار التأسيسي للعبة. هذه القواعد تُقبل مسبقا من دون نقاش، ولا تُبرهَن أو تُناقش صحّتها، بل تُتّخذ كمَنُول أولي، أشبه ما تكون بالبدهيات أو الشَّرَطِيّات في النظم التِّياسِيَّة. ومن أمثلتها:
- البدهية 1 : الملك لا يمكنه أن يتحرّك إلّا بمقدار قُصارة واحدة في أي اتجاه؛
- البدهيية 2 : الفيل يتحرّك حركة قطرية على الرقعة من دون أن يغيّر لونه؛
- البدهية 3 : لا يمكن أن يقف الملكان في مواجهة مباشرة على العمود نفسه أو الصف أو القطر من دون وجود قطعة تفصل بينهما؛
هذه القواعد لا تخضع لأي محاولة إثبات. ولا أحد يسأل لماذا يتحرّك الملك قُصارة واحدة فقط؟ أو لماذا لا يمكن وضع الملكين مقابل بعضهما؟ فكما أنّ البدهية أو الشَّرَطِيّة في التياسة تمثّل قاعدة ابتدائية تُسلَّم بها من أجل بناء النظرية، تُعدّ هذه القواعد شَرطيات في نسق الشطرنج.
ثانيا : البَرَهِيَّات theorems – على النقيض من الشرطيات، تنشأ البرهيّات كنتائج منطقية تستنتج من تلك القواعد الأوّلية. إنّها لا تُفترض مسبقا، بل تُستخرج استدلالا، اعتمادا على القواعد. وهي تمثّل المعرفة المُكتسبة داخل النظام من خلال التفكير المنهجي. مثال واضح عن البرهية: إذا كان الملك مهدّدًا (في وضع الشَّياخة)، ولا يملك أي حركة قانونية للخروج من هذا التهديد، فإن الوضع يُعرف بالشَّيْخَمَة checkmate، وتنتهي اللعبة. هذه النتيجة لا تُعلَن كقاعدة أوّلية، بل يتم استنتاجها بناءً على مجموع الحركات الممكنة للملك وفق القواعد، وحالة التهديد. أي أنّنا نصل إلى هذه النتيجة عن طريق تحليل منطقي يبدأ من الشرطيات السابقة.
يشبه نظام الشطرنج، من حيث البنية، النظام الاستنتاجي في المنطق أو التياسة : البدهيات، هي القواعد الأساسية التي نُسلّم بها مسبقا من دون الحاجة إلى برهان؛ البرهيّات، هي نتائج نستنبطها من تلك البدهيات باستعمال قواعد استدلال واضحة. وهذا المثال يُظهر لنا بوضوح أنّ الفرق بين البَدَهِيَّة والبرَهيّة ليس فرقا في الصواب، فكلاهما جزء من النسق، بل هو فرق في الوظيفة والموقع البِنْيوي: البدهيّة هي الأساس، والبرهية هي البناء الناتج.
✦ المصطلح العربي «موضوعة»، المستعمل تقليديا لترجمة المصطلح الكلزي axiom، يعود في جذوره إلى المعجم الفلسفي والمنطقي القديم، إذ يدلّ على قضية موضوعة موضع التسليم والقبول، أي يُفترض صحّتها ابتداءً من دون حاجة إلى برهان، وتُتّخذ أساسا أو نقطة انطلاق لبناء نسق نظري أو استدلالي. ومع أنّ هذا التعريف كان مناسبا في سياقات الفلسفة الأرسطية والمنطق التقليدي، إلّا أنّ استمرار استعمال «موضوعة» في سياقات العلوم التياسية والمنطق الصوري الحديث أدّى إلى عدد من الإشكالات المفهومية والدلالية، نذكر منها ما يلي:
• الغموض الدلالي خارج الحقول التخصصية – فمصطلح موضوعة لا يحمل، لدى غير المتخصّصين، ما يكفي من الدقّة المفهومية ليُميز بين البدهيات axioms أو الافتراضات المبدئية والمقدّمات الظنّية أو القضايا التجريبية؛
• الاستهلاك المفرط والابتذال المفاهيمي – لكثرة تداوله في الترجمات والتعليم، فقد المصطلح بعضا من طاقته المفهومية الدقيقة، ولم يعد قادرا على عكس الطابع البِنْيوي والدور التأسيسي لمصطلح axiom ضمن النظم الاستنتاجية في التِّياسة والمنطق الحديث، إذ يُنظر إلى الشرطيات الأوّلية كمكوّنات صورية تُختار ضمن إطار معيّن لبناء النسق، وليس كمسلّمات بديهية بالمعنى التقليدي؛
• الالتباس مع مفاهيم أخرى – فالنسبة إلى موضوعة تُنتج مصطلح موضوعي، وهي صفة ملتبسة في السياقات المعرفية والفلسفية، لأنّها قد تشير إلى الحياد أو الموضوعية objectivity، أو إلى الموضوع بوصفه محتوى theme، وهو ما يخرج بالمصطلح عن نطاقه الأصلي؛
• الإيحاء السلبي في السياقات العامّة – فقد يُفهم من موضوعة أنّها مجرّد افتراض لا دليل عليه، وهو تصوّر لا ينسجم مع دور axiom في النسق التِّياسي، إذ تُختار هذه القضايا الأوّلية وَفْق معايير الاتساق والكفاية التفسيرية، وليس لمجرّد التسليم غير المعلّل.
انطلاقا من هذه الملاحظات، برزت الحاجة إلى مراجعة المصطلح العربي المقابل للمصطلح الكلزي axiom، واقتُرحت «البَدَهِيَّة» أو «الشَّرَطِيَّة» لتأكيد الدور البِنْيوي والوظيفي لهذا المفهوم، لا سيما في ضوء النماذج الحديثة للنظم الصورية، إذ تُعدّ axioms شروطا تأسيسية لا غنى عنها لبناء البَرَهِيّات theorems وضمان صلاحية الاستدلال ضمن الإطار النظري المختار. ولذلك فإنّ مصطلح بَدَهِيَّة أو شَرَطِيَّة أكثر دقّة من المصطلح التقليدي موضوعة، لأنّه يُبرز الوظيفة المنطقية والمنهجية لهذه القضية: قضية يُشترط قبولها ابتداءً لإمكان بناء النسق الاستنتاجي كلّه، من دون أن يعني ذلك بالضرورة أنّها موضوعة على أساس تعسفي أو تقليدي.