تعدّ نظرية البيئة أو الحتمية البيئية من النظريات التفسيرية المهمّة في علم الاجتماع والنفسياء البيئية environmental psychology، إذ تقوم على افتراض أساسي مفاده أنّ البيئة تؤثّر تأثيرا مباشرا في سلوك الأفراد والجماعات، سواء من خلال العوامل المناخية أو الإراضية أو الموارد الطبيعية المتاحة. فالبيئة ليست مجرّد إطار خارجي يعيش فيه الإنسان، بل هي عامل فاعل يُسهم في تشكيل بنيته النفسية ويؤثّر في أنماط تفكيره وسلوكاته وثقافته واقتصاده وازدهار حضارته. يتمثل تأثير البيئة في عدّة أوجه، منها تأثير المناخ على السمات الشخصية للمجتمعات، إذ تشير بعض الدراسات إلى أنّ المجتمعات التي تعيش في مناطق باردة تتّسم عموما بدرجة أعلى من التخطيط والتنظيم، في حين أنّ المجتمعات التي تنشأ في بيئات حارّة تميل إلى تبنّي أنماط حياة أكثر مرونة وتلقائية. كما أنّ توفّر الموارد الغذائية والصناعية يؤثّر في النشاط الاقتصادي، وهو ما ينعكس بدوره على البِنْية الاجتماعية ومستويات التطوّر الثقافي. ومن أبرز ما تناقشه هذه النظرية هو العلاقة بين البيئة وانتشار الذهنياءات والأفكار السياسية والاجتماعية، إذ يمكن ملاحظة أنّ بعض الدعوات الفكرية أو الحركات الاجتماعية تزدهر في أقاليم دون غيرها، بناءً على العوامل البيئية المؤثّرة في السكان. وتبعا لذلك، يمكن تصور إنشاء خريطة نفسية إراضية psychogeographical map، تمثّل التوزيع النفسي للسكّان وفقا للمتغيرات البيئية، على غرار الخرائط الإراضية التي تعرض توزيع الثروات الطبيعية والموارد الخام. فالأفكار الاجتماعية والدينية والسياسية يمكن اعتبارها تصنيعا للمادّة البشرية الخام ضمن بيئاتها المختلفة.
هذه الفكرة ليست حديثة المنشأ، إذ تناولها علماء الإسلام الأقدمون، وكان ابن خلدون في المقدّمة من أوائل من ناقش العلاقة بين البيئة والخصائص النفسية والأخلاقية للأفراد، فقد أشار إلى تأثير المناخ ونوعية الغذاء في طباع البشر وسلوكهم. ومن علماء الغرب الذين تبنّوا هذه النظرية العالم الألماني فريدريش راتزل Friedrich Ratzel، الذي يُعدّ من رواد الإراضة البشرية human geography، والعالم البريطاني هنري توماس بوكل Henry Thomas Buckle، الذي بحث في العلاقة بين المناخ والتطوّر الحضاري، والمفكر الفرنسي مونتسكيو Montesquieu، الذي ناقش في كتابه: روح القوانين the spirit of the laws تأثير البيئة في النظم السياسية والاجتماعية. تستمرّ هذه النظرية في جذب اهتمام الباحثين، إذ توظّف في تفسير العديد من الظواهر الاجتماعية الحديثة، مثل أنماط الهجرة، والفوارق الاقتصادية بين الدول، وحتى السلوكات السياسية للمجتمعات، ممّا يجعلها أداة تحليلية قويّة لفهم التفاعل بين الإنسان وبيئته، إلّا أنّها تثير جدلا، لا سيّما مع ظهور تيارات فكرية مثل العَسَوية أو العَسَوية البيئية environmental possibilism، التي ترى أنّ البيئة تُؤثّر لكنّها لا تُحدّد مصير المجتمعات بالكامل، إذ يبقى للعوامل الاجتماعية والصنعيائية دور محوري في تشكيل الحضارات.
كان أحد أقدم النقاشات الفلسفية في الإراضة البشرية يتعلّق بالجدل حول الحتمية البيئية. إلى أي مدى يمكن تفسير السلوك البشري بالإشارة إلى البيئة المادّية وإلى أي مدى يكون الإنسان هو الفاعل في مصيره الخاصّ، متحرّرا من ضوابط العالم غير الحي؟ أثار هذا النقاش أولئك (مثل سمبل وتايلور) الذين بدا أنهم يعتقدون أن البيئة المادّية تمارس تأثيرا لا مفرّ منه على الإنسان: وأنّ النشاط البشري يمكن أن يُعزى مرّة أخرى إلى تفسيرات سببية صيغت من حيث التأثيرات البيئية البحتة. كان أكثر أنواع البيئة بدائية هو المناخ، ووصل إلى ذروته مع هنتنغتون (1907م) الذي سعى إلى ربط الهجرة البشرية بالتقلّبات المناخية وفقا لعلاقة آلية ضيّقة لا هوادة فيها. تمتد جذور الحتمية الإراضية في الفكر الغربي إلى ما لا يقلّ عن الإراضي الألماني راتزل في القرن التاسع عشر، الذي جادل في مقطع مقتبس كثيرا بأنّ: الشعب ... يجب أن يعيش على الأرض التي منحها له القدر؛ يجب أن يموتوا هناك، خاضعين لقوانينها... (راتزل 1898-9، ص 12). وأخيرا، فإنّ الحتمية في الإراضة، هي في كثير من الأحيان اختصار للحتمية الخاصّة التي تختار البيئة الإراضية كعنصر تحكّم أساسي في حياة الإنسان، جادل لوثويت بأنّ الحتمية البيئية هي: الرأي القائل بأنّ البيئة المادّية أو الطبيعية أو الإراضية تتحكّم بشكل صارم في الفعل البشري. وذكر أنّ تعريف الإراضة هو دراسة العلاقات بين البيئة والإنسان.
كان الإراضي الفرنسي بول فيدال دي لا بلاش Paul Vidal de La Blache (1845-1918) من أبرز معارضي الحتمية البيئية، وبدلا منها، قدّم مفهوم العَسَوِيّة possibilism (من عَسَى التي تفيد الإمكان)، وأكّد أنّ البيئة تضع قيودا أو توفّر إمكانيات، لكنّها لا تحدّد بشكل صارم سلوك المجتمعات البشرية، إذ تظلّ العوامل الثقافية والاقتصادية والسياسية مؤثّرة في التطوّر البشري. ورأى أنّ الإنسان قادر على التكيّف مع بيئته واستغلالها بطرق مختلفة حسب احتياجاته وإبداعه، كما أكّد أنّ الثقافة والتقاليد تؤدّي دورا جوهريا في كيفية تفاعل المجتمعات مع بيئتها. ركّز في أطروحته الإراضية حول الأنماط الحياتية genres de vie على دراسة أنماط الحياة كأسلوب لفهم كيفية تفاعل المجتمعات مع بيئتها، ورأى أنّ كل منطقة تطوّر نمط حياة مميزا يعكس استعمال سكّانها للموارد الطبيعية بطريقة تتناسب مع تقاليدهم وعاداتهم. قدّم في كتابه الأساسي: اللاحات الإراضية لفرنسا tableau de la geographie de la france – 1903، نظرة شاملة عن العلاقة بين الإراضة والإنسان، فقد ركّز على الدور المتكامل للطبيعة والثقافة، وكان هذا العمل من أوائل الدراسات التي مهّدت لنشوء الإراضة البشرية الحديثة.
على عكس الإراضيين الحتميين مثل فريدريش راتزل، الذين أكدّوا أنّ الإراضة تحدّد مصير المجتمعات، رأى فيدال دي لا بلاش أنّ للإنسان قدرة على التكيّف والتغيير. ورفض الرؤية الاختزالية للحتمية البيئية، التي تفترض أنّ المناخ أو التضاريس وحدهما يحدّدان الثقافة أو التطوّر الاقتصادي. يُعتبر فيدال دي لا بلاش مؤسّس المدرسة الإراضية الفرنسية الحديثة، إذ أثرت أفكاره في تطوّر الإراضة البشرية، ما جعلها أكثر تركيزا على العوامل الثقافية والتاريخية إلى جانب العوامل البيئية، وكان له تأثير كبير في نشوء الإراضة الإقليمية، التي تدرس تفاعل الإنسان والبيئة في مناطق محدّدة بدلا من تقديم تفسيرات حتمية عامّة. كان فيدال دي لا بلاش من أبرز مناهضي الحتمية البيئية، فقد أكّد على قدرة الإنسان على التكيّف مع بيئته وصياغة أنماط حياته وفقا لعوامل متعدّدة، وليس فقط للعوامل الطبيعية.
|
|
|
environmental theory
|
|
environmental determinism
|
- مصطلحات في الإعلام والاتصال. خضير شعبان، دار اللسان العربي. الطبعة الأولى، 1422، الجزائر.
- perlego.com/index/geography/possibilism
- anthroholic.com/environmental-possibilism