كانت المركنتيلية أكثر من مجرّد سياسة اقتصادية؛ بل كانت انعكاسا لرؤية الدول الأوروبية الكبرى في عصرها لكيفية تحقيق القوّة والازدهار. نشأت هذه العقيدة في فترة ازدهار الدول القومية التي سادت في القرنين السادس عشر والسابع عشر الميلاديين والنظام الاقتصادي الذي نشأ تحت تأثيرها، إذ رأت الحكومات أنّ قوّة الدولة تعتمد بشكل مباشر على احتياطاتها من الفلزّات الثمينة، لا سيّما الذهب والفضّة. ولهذا السبب، ركّزت السياسات الاقتصادية آنذاك على تحقيق الفائض التجاري، أي تصدير السلع المصنّعة بأكبر قدر ممكن، مع تقليل الواردات إلى الحدّ الأدنى، عدا المواد الخامّ التي تُستعمل في التصنيع، ونُظر إلى الاستهلاك المحلّي على أنّه نشاط يُنقص الثروة ما يبرّر خفض الأجور. ولتطبيق هذه الفلسفة، اعتمدت الدول على مجموعة من الأدوات والتدابير، مثل الحمائية التجارية protectionism التي تضمّنت فرض التعريفات الجمركية المرتفعة high tariffs على السلع المستوردة، ونظام الاحتكار monopolies الذي منح الشركات الوطنية امتيازات حصرية في قطاعات معيّنة، لا سيّما في التجارة مع المستعمرات. كما أنشأت الدول الأوروبية مثل بريطانيا وفرنسا وإسبانيا شركات احتكارية استعمارية مثل شركة الهند الشرقية east india company، التي لم تقتصر على التجارة فحسب، بل أدّت دورا سياسيا وعسكريا في فرض الهيمنة الاقتصادية.
لكن بحلول أواخر القرن الثامن عشر، أصبحت هذه السياسات موضع انتقاد كبير من لدن الاقتصاديين الكلاسيكيين، مثل آدم سميث وديفيد ريكاردو، إذ وُصِفت بأنها تخدم مصالح فئة محدودة من التجّار والصناعيين الذين استفادوا منها بشكل مباشر على حساب النمو الاقتصادي الأوسع، وقد هاجم آدم سميث المركنتيلية في كتابه الشهير ثروة الأمم the wealth of nations إذ أكّد على أنّ الثروة الحقيقية للأمم لا تكمن في الذهب المخزّن، بل في الإنتاجية والكفاءة الاقتصادية. وأشار إلى أنّ المركنتيلية افترضت مسبقا لعبة المجموع الصفري في التجارة الدولية، وفيها يكون المكسب الذي تحظى به إحدى الدول خسارة لدولة أخرى، ودعا إلى التجارة الحرّة ومبدأ «دعه يعمل» laissez-faire، إذ رأى أنّ الأسواق تعمل بشكل أفضل عندما تكون حرّة وبعيدة عن تدخّل الدولة. مع مرور الوقت، تراجعت المركنتيلية وحلّت محلها الرأسمالية الصناعية industrial capitalism، التي ركّزت على تطوير الإنتاج وزيادة التنافسية بدلا من تكديس الثروات الفلزّية. ومع ذلك، ما تزال بعض مبادئ المركنتيلية حاضرة في السياسات الاقتصادية الحديثة، إذ تلجأ بعض الدول إلى الحِمائية والتدخّل الحكومي في التجارة لحماية صناعاتها وتعزيز مصالحها الاقتصادية.