التحاسي، هو القدرة على إدراك ما يختبره شخص آخر من مشاعر أو أفكار ضمن إطاره المرجعي، أي القدرة على أن يضع الفرد نفسه في موضع الآخر ليفهم حالته الشعورية أو الذهنية، وبعبارة أبسط هو أن يضع قدمه في حذاء غيره. يُعدّ التحاسي مفهوما نفسيائيا مركّبا يغطي طيفا واسعا من الحالات العاطفية والمعرفية والاجتماعية. ويتنوّع التحاسي إلى: التحاسي الاستعرافي cognitive empathy، وهو القدرة على فهم منظور الآخر واستيعاب حالته الذهنية من دون الانخراط المباشر في عواطفه؛ التحاسي العاطفي affective empathy، وهو التفاعل الوجداني مع مشاعر الآخر، كالإحساس بالحزن عند رؤية شخص متألّم؛ التحاسي الجسدي somatic empathy، ويعني الاستجابة الجسدية الفورية لحالة الآخر، مثل الشعور بتوتّر عضلي عند رؤية شخص في خطر. وتكمن أهمّية التحاسي، في بناء الثقة، فهو عنصر أساسي في تعزيز العلاقات الإنسانية والمِهْنيّة، إذ يُمكّن الأفراد من التواصل بشكل أعمق وأكثر صدقا؛ في الأداء الوظيفي، إذ يساعد على إدارة الفِرَق، وحلّ النزاعات، وفهم السلوك المتوقّع مسبقا، ما يجعله مهارة حيوية في القيادة والعمل التعاوني؛ في التواصل الإنساني، فالتحاسي يرتبط بمفاهيم مثل التفهّم understanding والمواساة compassion، وهو ما يُترجم عمليا في عبارات مثل: أنا أتحاسَى معك وأفهم شعورك. يرى دانييل غولمان Daniel Goleman (1995)، أنّ التحاسي أحد الأبعاد الجوهرية للذكاء العاطفي emotional intelligence، وهو ما يجعله ركيزة في التفاعل الاجتماعي الفعّال، وبيّنت الدراسات العصبية Decety & Jackson, 2004 أنّ مناطق في الدماغ مثل القشرة الحزامية الأمامية anterior cingulate cortex والجزيرة insula تنشطان عند ممارسة التحاسي، وهو ما يفسّر الطبيعة الحِياوِيّة لهذه القدرة. يستعمل التحاسي في العلاج النفسيائي psychotherapy كأداة لفهم المريض وتعزيز العلاقة العلاجية Rogers, 1957.
ينهض مصطلح التحاسي على مادّة لغوية راسخة في العربية، فهو مأخوذ من قول العرب: حَسَا ما في نفس صاحبه حَسْوا، أي خبر ما في دواخل نفسه وعرفه. والظاهر أنّ المصدر التحاسي مبدل من التَّحاسُس الذي يفيد المشاركة في الإحساس والشعور، ، فالفعل حَسَا أصله حَسَّ أي شعر، إذ خُفّف التشديد وأُشبعت الفتحة بالألف. أمّا التحاسس فقد حدث فيه إبدال صرفي في الحرف الأخير، إذ حُوِّلت السين إلى ياء فصار التحاسي، وهو إبدال تشهد له شواهد معروفة في العربية، مثل: الضفادي في جمع ضفدع، والأراني في جمع أرنب، والثعالي في جمع ثعلب. وبذلك يستقيم وزن المصطلح ليحمل دلالة دقيقة ومميّزة. من الناحية الدلالية، يتلاقى التحاسي مع المفهوم الاصطلاحي لمصطلح empathy في العلوم النفسيائية والاجتماعية، الذي يشير إلى قدرة الفرد على أن يضع نفسه في موضع الآخر وجدانيا، وأن يعيد بناء تجربته الشعورية على نحو داخلي ودقيق. فيغدو التحاسي هو العبور من السطح إلى الباطن، أي إدراك دواخل الإنسان وما يعتمل في وجدانه، والمشاركة الوجدانية من الداخل التي تنفذ إلى صميم التجربة الشعورية للآخر. وبهذا يثبت المصطلح العربي تفوقه من حيث الدقّة والعمق على التعابير المألوفة مثل التعاطف أو المشاركة الوجدانية أو التقمّص الوجداني التي كثيرا ما تلتبس بدلالة التعاطف العام.
الكاريزما الأكثر تأثيرا. باتريك كينغ. ترجمة: دينا المهدي. دار دَوِّن ، 2023م. القاهرة، مصر.