معجم المصطلحات الكبير
الحتميّة في الإراضة
الإراضة

في تاريخ الفكر الإراضي، جرى دراسة وتحليل الحوار القائم بين الإنسان والطبيعة من منظورات ووجهات نظر مختلفة. وكان أوّل هذه المناهج في تناول العلاقة بين الإنسان والبيئة هو منهج الحتمية. فوَفْقا لما قاله بْلات Platt, 1948، تشير الحتمية إلى فكرة أنّ كلّ شيء في حياة الإنسان يحدث حتما بسبب أحداث أو ظروف سابقة. وكان المصدر الأولي الرئيس للتفسير لدى الحتميين هو البيئة الطبيعية، إذ كان إطارهم النظري يتمحور حول الاعتقاد بأنّ النشاط البشري تتحكّم فيه محدّدات البيئة التي يعيش فيها الإنسان. تُعدّ الحتمية إحدى أهم الفلسفات التي استمرّت بأشكال مختلفة حتّى الحرب الأممية الثانية. وفي سياق هذا النموذج الفكري، يُعتقد أنّه يمكن وصف الاختلافات في السلوك البشري في أجزاء العالم المتباينة بناءً على الاختلاف في البيئة الطبيعية. فالروح الأساسية للذهنياء الحتمية هي أنّ مستوى التطوّر التاريخي والثقافي ونمط الحياة ومجموعة اجتماعية أو أمّة ما، يُحكم حصريا بالمكونات الطبيعية للبيئة على أي نطاق.

يَعتبِر الحتميون عموما أنّ الإنسان فاعل سلبي تعمل عليه العوامل الطبيعية باستمرار، وبالتالي تحدّد منهجه وعملية اتّخاذ قراره. وباختصار، يؤمن الحتميون بأنّ معظم الأنشطة البشرية يمكن تفسيرها على أنّها مجرّد استجابة للبيئة الطبيعية.

مسار الحتمية في الإراضة

أثار نموذج البيئوية environmentalism جدلا كبيرا في الإراضة الناشئة. ففي هذا التخصّص، غالبا ما اُستعمِل مصطلحا البيئوية والحتمية كمترادفين، مع التعريف البسيط الذي يرى أنّ البيئة الطبيعية هي المسؤولة عن جميع الأفعال والسلوكات البشرية. وعلى الرغم من وجود خلاف حول ما إذا كانت البيئوية والحتمية متطابقتين، يبقى المؤكّد أنّ هذا النموذج يحتلّ مكانة خاصّة في الفكر الإراضي. فبحسب بيك Beck, 1985، كانت الحتمية البيئية في صلب أحد أطول النقاشات في تاريخ العلوم الاجتماعية المتعلّقة بالإراضة، وقد وفّرت الإراضة تعريفها على أنّها دراسة العلاقات بين الإنسان والبيئة.

على الرغم من الجدل الذي استمرّ لسنوات حول هذه القضية، لم يُحسم الأمر بشكل واضح مطلقا. بل كانت الحتمية فكرة أُثيرت ثم أُقصيت في نهاية المطاف من قِبل الأغلبية التي رأت أنّها لا تستحق المزيد من النقاش. ومع ذلك، عادت هذه النظرية للظهور بشكل دوري لتثير قلق العلماء وعامّة الناس على حدّ سواء. إنّ استمرار إحياء هذه النظرية بين مختلف الكُتاب والباحثين يستدعي التفكير العميق. فقد أُنجز قدر كبير من العمل في السنوات الأخيرة حول هذا الموضوع الأزلي الذي يخصّ الإنسان والبيئة، ممّا لا يدع مجالا للشكّ أنّه على الرغم من إعلان البعض موت البيئوية كما مات طائر الدودو، فإنّها قد تثبت، كما أكد سبيت Spate, 1960 في مقاله: الكم والجودة في الإراضة Quantity and Quality in Geography، أنّها طائر خالد لم يُولد للموت.

مثّلت الحتمية البيئية دخول الإراضة إلى حقل العلوم الحديثة (بييت، 1985). وقد سمحت جذور الإراضة الحِياوية لها بأنّ تكون عنصرا بالغ الأهمية في نظرية الشرعنة legitimation theory ضمن إطار الطَّبْعانِيّة naturalism أي النزعة الطبيعية التي سادت في فترة ما بعد داروين، إذ أصبحت الشرعنة للسلوكات الاجتماعية تأتي من العلم بدلا من الدين. إنّ تلبية هذه الوظيفة الذهنيائية، إلى جانب توفير المهارات العملية المرتبطة بها (مثل الاستكشاف والجرد ورسم الخرائط والتأريف أي تحديد الحدود)، جعلت من الإراضة علما حديثا يُنتج على نطاق واسع. فقد حاولت الحتمية كمنهج تفسير الأحداث العاهِلية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين بطريقة علمية، ممّا رسّخ مكانة الإراضة ضمن العلوم بوصفها علما تحليليا. ولفهم الحتمية ولماذا أصبحت منبوذة ذهنيائيا في الإراضة البشرية، من الضروري النظر في سياقها التاريخي.

في سياق تأثير الظروف الطبيعية، كانت المحاولة الأولى لتفسير السمات الجسدية والصفات السلوكية للشعوب وثقافاتهم من نصيب المفكّرين اليونانيين والرومان. ولم يقتصر هذا الجهد في ذلك الوقت على الإراضيين فحسب، بل شمل علماء من مختلف المجالات مثل الطبيب أبقراط والفيلسوف أرسطو، والمؤرخين؛ ثيوسيديدس، وبوليبيوس، وهيرودوت. ففي العصر اليوناني الروماني، كانت الأفكار الإقليمية مرتبطة ارتباطا وثيقا بالتاريخ، إذ رأى ثيوسيديدس وبوليبيوس أنّ الظروف الطبيعية لأثينا وموقعها الإراضي كانا من عوامل عظمتها. وعلى سبيل المثال، فسّر أرسطو الاختلاف بين شعوب شمال أوروبا وآسيا بناءً على الأسباب المناخية، في حين تناول سترابو حوادث مماثلة لشرح عظمة روما وقوّتها، مؤكّدا أنّ الطقس البارد في أوروبا هو سبب شجاعة أهلها. واعتبر أرسطو أنّ الشعوب التي تعيش في الأجواء الحارّة في آسيا تتميّز بالحكمة، لكنّها تفتقر إلى الروح وبالتالي كانت عرضة للاستعباد، ومن منطلق أنّ البشر غالبا ما يعتبرون موطنهم أفضل مكان، فليس من المستغرب أنّ أرسطو كان يعتقد أنّ أفضل مزيج من كلّ العوالم الممكنة كان في مركز الفضاء، أي اليونان. وأكّد أرسطو بشدّة أنّ تقدّم بعض البلدان هو نتيجة لظروفها البيئية المواتية.

وفي العصور الوسطى، فسّر مونتسكيو أنّ الناس في الطقس البارد أقلّ قوّة جسدية وأكثر شجاعة ووضوحا، وأقلّ تأثرا وخبثا من أولئك الذين يعيشون في الطقس الحارّ، مشيرا إلى أنّ سكّان الطقس الحار رهيبون، وضعفاء جسديا، وبطيئون. وقد هيمن المنهج الحتمي على كتابات العلماء العرب الذين قسّموا العالم إلى سبع مناطق أرضية على أساس المناخ، وأبرزوا الخصائص الريزيائية والثقافية لسكّان هذه المناطق. وقد حاول كلّ من البيروني، والمسعودي، وابن حوقل، والإدريسي، وابن خلدون ربط البيئة بالأنشطة الإنسانية وظروف المعيشة في إطار مفهوم الحتمية.

وفي القرن الثامن عشر، قام المؤرخ جورج تاتام بتفسير الاختلافات بين الشعوب على أنّها مرتبطة بالاختلافات بين البلدان التي يعيشون فيها. وكان أيضا من الحتميين، قال إنّ سكان نيو هولاند (جزر الهند الشرقية) يبقون أعينهم نصف مغلقة ولا يرون رؤوسهم على مسافة إلّا بلمسها، بينما كان توماس مالتوس (1766-1834) حتميا علميا لم يؤكّد فقط على تأثير البيئات المختلفة، بل أكّد أيضا على الحدود التي فرضتها هذه البيئات على الوسط الاجتماعي.

استمر الفكر الحتمي خلال القرن التاسع عشر عندما ارتبطت الإراضة بالعلوم الأخرى. فلقد تبنّى الإراضي الألماني كارل ريتر Carl Ritter منهجا معاديا للإنسان، وأرسى الأساس الفلسفي للحتمية في الإراضة، وقد حاول التمييز في التكوين الجسدي، والجسد، وصحّة الأفراد الذين يعيشون في بيئات طبيعية مختلفة. واعتبر العديد من طلّابه أنّ الإراضة هي دراسة العلاقة بين كثافة السكّان وطبيعة أراضيهم. وأعلن العديد من أراضيي مدرستهم أنّ مهمّتهم الرئيسة كانت تحديد تأثير الظروف الإراضية الطبيعية والثقافية على المصائر السياسية لسكّان أي منطقة في الماضي والحاضر. ومن جهته، قال ألكسندر فون همبولت Alexander von Humboldt، أحد مؤسّسي الإراضة الحديثة والمعاصر لريتر، إنّ حياة سكّان المناطق الجبلية تختلف عن حياة أولئك الذين يعيشون في السهول.

في الجزء الأخير من القرن التاسع عشر والعقود الأولى من القرن العشرين، هيمنت على البيئة العلمية آراء داروين وقبول علاقات السبب والنتيجة لنيوتن. وتكمن أصول الحتمية العلمية في عمل تشارلز داروين، الذي أثر كتابه الأصلي أصل الأنواع (1859) في العديد من الإراضيين. إنّ تأثير الحِياوة التطوّرية على تطوّر الفكر الإراضي الحديث مقبول على نطاق واسع الآن. ويجادل ستودارت Stoddart, 1966 بأنّ حِياوة داروين أدّت دورا حاسما في ترسيخ مكانة الإنسان في الطبيعة، ممّا أتاح التطوّر الحقيقي للإراضة كعلم. وقد تجاوز التشبيه العِضاوي organismic analogy المشكلات المنهجية المتأصّلة في دراسة العلاقات بين الإنسان والبيئة، وثنائية الظواهر الطبيعية والبشرية (ستودارت، 1967).

وفي أواخر القرن العشرين، في الإراضة الأمريكية، كان الرأي السائد الذي يتناسب تماما مع البيئة الفكرية هو مذهب الحتمية. وقد تأثّر معظم هؤلاء بأفكار داروين التي طورها ويليام موريس ديفيس خلال نموذج دورة الكَثْح cycle of erosion. وكان الاهتمام الأساسي ينصبّ على توثيق تحكّم البيئة في المجتمع البشري أو تأثيرها عليه.

أمّا فريدريك راتزل، مؤسّس الحتمية الجديدة new determinism، فقد استكمل الحتمية الإراضية الكلاسيكية بعناصر من الداروينية الاجتماعية social darwinism، وطوّر نظرية الدولة ككائن حي. كان يؤمن بوجود مؤهّلات ويرى الإنسان باعتباره نتاجا نهائيا للتنمية، وهي تنمية كانت بمثابة انتقاء طبيعي للنوع وفقا للقدرة على التكيّف مع البيئة المادّية. وقد أصبح هو وتلميذته إلين تشرشل سيمبل Ellen Churchill Semple التعبير الأكثر صراحة عن المنهج الحتمي في الإراضة.

في كتابها تأثيرات البيئة الجغرافية Influences of Geographical Environment, 1911، تكتب إلين تشرشل سيمبل: الإنسان نتاج لسطح الأرض، وقد حظي هذا الكتاب بانتشار واسع واستعمال طويل الأمد في التعليم الإراضي. هيمنت سيمبل على فترة البيئوية في هذا التخصّص خلال أوائل القرن العشرين، ودرّبت جزءا كبيرا ممّن أصبحوا قادة المهنة خلال الفترة ما بين الحربين الأمميتين. كان موقفها العلمي الأساسي كالتالي: في كلّ مشكلة من مشكلات التاريخ، يوجد عاملان رئيسان، يشار إليهما أحيانا بالوراثة والبيئة، أو الإنسان وظروفه الإراضية، أو القوى الداخلية للعرق والقوى الخارجية للموطن. إنّ العنصر الإراضي في التاريخ الطويل للتطوّر البشري يعمل بقوّة وبشكل مستمرّ. وهنا تكمن أهمّيته. إنّه قوّة ثابتة لا تنام. هذه البيئة الطبيعية، هذا الأساس المادّي للتاريخ، هي في جميع الأغراض العملية غير قابلة للتغيير مقارنة بالعامل الآخر في المشكلة، وهو الإنسان المتحوّل، المرن، التقدّمي، والمتراجع.

لم يكن بالإمكان التشكيك في بيانها المنهجي، إذ أشارت في أحد المواضع إلى أنّ تأثير المناخ على الإنسان، سواء كان تأثيرا مباشرا أو غير مباشر، لا يمكن التشكيك فيه. وقد أوضحت كذلك أنّ الإنسان كان فاعلا سلبيا يتأثّر بشكل مباشر بالبيئة في المراحل المبكّرة من التطوّر. ومع ازدياد نشاطه، أصبحت التأثيرات غير المباشرة التي تشكّل عقله وشخصيته من خلال حياته الاقتصادية والاجتماعية أكثر أهمّية. ومن خلال كتاباتها، قدّمت تفسيرا للتفوّق القومي بمصطلحات علمية جديدة، من خلال توفير نسخة بيئية من العنصرية العلمية.

تعزّز المذهب كذلك من قبل إلسورث هنتنغتون Ellsworth Huntington وغريفيث تايلور Griffith Taylor. هنتنغتون في كتابه مبادئ الجغرافيا البشرية (1945) ومقالاته عن المناخ والحضارة، أظهر تفضيل الإنسان للبِنى العرقية والتفسيرات البيئية. ومع ذلك، كرّر مرارا أهمّية التكوين الوراثي، وألقى بثقله وراء مختلف المشاريع الجينية. لقد اتّخذ أهمّ خطوة حاسمة منذ زمن أبقراط وقرّر إيجاد بعض النتائج في التفكير بالأسباب البيئية.

أمّا تايلور (1880-1963)، فكان أكثر حذرا في ربط الإنسان بالبيئة. لقد اعتقد أنّ البيئة قد وضعت حدودا للتطوّر البشري. وشبّه حتميته بنظام التحكّم في حركة المرور، الذي يحدّد السرعة ولكنّه لا يحدّد اتّجاه التقدّم. هذا المفهوم أصبح يُعرف لاحقا باسم الحتمية الجديدة neo-determinism أو حتمية التوقف والانطلاق stop and go determinism. فهو يرى أنّ الإنسان قادر على تسريع أو إبطاء أو إيقاف سرعة تطوّر أي بلد أو منطقة. ولكنّه يجب ألّا يخرج، إن كان ذكيا، عن تعليمات البيئة الطبيعية. فكما يقول، الإنسان أشبه بمراقب حركة مرور في مدينة كبيرة، يغيّر معدّل السرعة ولكنّه لا يحدّد اتّجاه التقدّم.

في السنوات اللاحقة، سعى إراضيون مثل ماكيندر Mackinder وتشيشولم Chisholm وديفيس Davis وبومان Bowman وروبرت ميل Robert Mill وجيدس Geddes وساور Sauer وهيربرتسون Hebertson وتايلور Taylor إلى تفسير تقدّم المجتمعات بمنهج حتمي. لقد أوضح العديد من الباحثين بجلاء أنّ المناخ يؤثّر في الخصائص الريزيائية للتربة، وهو ما يحدّد في النهاية نمط المحاصيل الذي يعتمد بدوره على عادات السكّان ووظائفهم وسلوكياتهم. وعلى مرّ السنين، أكّد الحتميون أنّ للملامح الطبيعية لموقع الشعوب، كالجبال والسهول، تأثيرا كبيرا في مستوى حياتهم ومستوى تطوّرهم.

بشكل مفاجئ، لم يلتزم الباحثون بهذا النموذج بسبب قوّة إقناعه العلمي، بل كانوا يحاولون تفسير السببية البيئية بعبارات علمية جديدة ضمن نطاق الفكر الإراضي، ومن هنا جاء تركيزهم على المحدّدات الإراضية للمجتمع والتاريخ. ومع ذلك، كان للمنهج الحتمي حدوده؛ ففشله في إدراك الفروق التأمّلية بين البشر وبقية الطبيعة كان عائقا كبيرا. فالإنسان، من خلال بيئته الاجتماعية وقدرته الإنتاجية، يمتلك القدرة على التطوّر. وعلاوة على ذلك، يجعل الوعي البشري هذه العملية موجّهة ذاتيا، ممّا يؤدّي إلى مواجهة بين الحتمية الطبيعية والحتمية الاجتماعية.

ولإدماج العلوم الاجتماعية البشرية، كان لا بدّ من تعديل النظرية الطبيعية. وقد ثبت أنّ التشبيه العِضاوي الذي أُقيمت عليه خلاصة الحتمية بأكملها كان عاجزا عن توفير الأساس اللازم لمثل هذه النظرية الموجّهة نحو الإنسان. ومع ذلك، استمرّ هذا التشبيه لأنّه أثبت أنّه أداة منهجية مناسبة في نظرية الشرعنة.

الانتقادات

بعد الحرب الأممية الثانية، تعرّضت هذه الفلسفة لانتقادات شديدة في الولايات المتّحدة والمملكة المتّحدة وكندا والعديد من البلدان الأخرى. لاحظ الإراضيون أن هذا المنهج بالغ في الدور الفاعل للطبيعة عند تفسير التاريخ البشري. فالحتميون كانوا يعتبرون الإنسان مجرّد كائن قادر على التكيّف، لكن جهود الإنسان تكشف عن حقائق عديدة لا يمكن لقوى البيئة أن تفسّرها. لم يصبح هذا المنهج مختلا وظيفيا على الصعيد الاجتماعي فحسب، بل خضع أيضا لنقد دَيْوَني (أكاديمي) ونظري. بدأ باروز Barrows, 1923 بنقد خفيف من داخل نموذج البيئوية نفسه، وجادل بأنّ العلاقات بين الإنسان والبيئة يجب أن تُرى من منظور التكيّف البشري، لأنّ ذلك أكثر احتمالا أنّ يؤدّي إلى الاعتراف بجميع العوامل المعنية وتقييمها بشكل صحيح، لاسيما تقليل خطر إعطاء العوامل البيئية تأثيرا حتميا لا تمتلكه.

أمّا ساور (1963) فكان لديه تحفّظ أقوى، فقد ذكر أنّ تحويل القانون الإلهي إلى قانون طبيعي كلّي القدرة قد دفع المتحمّسين لإيمان السببية إلى التضحية باهتماماتهم السابقة من أجل عقيدة صارمة للكونيات الطبيعية، لاسيما في علم الطبيعة الأمريكي والإراضة البشرية. وكما أضاف لاحقا، القانون الطبيعي لا ينطبق على المجموعات الاجتماعية، بل إنّ ما يفعله الإنسان في منطقة ما ينطوي على فاعلية نشطة للثقافة التي تشكّل المشهد الطبيعي. وقد أدّى نقد ساور دورا داخليا في تقليص مكانة الحتمية كنظرية مهيمنة في الإراضة، وبدأ في إعادة تعريفها كعلم اجتماعي، يهتم بالتمايز المناطقي.

والآن، يطرح السؤال: هل قدّم ساور أساسا نظريا بديلا صالحا للفكّر الإراضي؟ يرى بييت (1985) أنّ الإراضة الثقافية لدى بلاش وساور فشلت في وضع نظرية شاملة ضمن التخصّص. ففي الثلاثينيات والأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين، انجرفت الإراضة نحو منظور إقليمي، إذ كانت الحتمية تُنتقد من دون أن تُستبدل بشكل فعّال. والمفهوم البيئي يعني منطقيا أنّ العلاقات لا تحدّد المجال. فمهما كان هدف الإراضي، لا ينبغي أن يكون مقيّدا أو متحيّزا ضدّ أي صِنْعة أو طريقة معيّنة. فالوصف الأدبي والبصيرة البشرية مطلوبان بلا شك، ولكن على حد تعبير هارتشورن Hartshorne, 1939، يجب على الإراضي أن يحلّل العلاقات بين الملامح الأرضية بغض النظر عما إذا كانت هذه العلاقات المتبادلة يمكن وصفها بمصطلحات قوانين طبيعية أو قوانين اجتماعية. وبالتالي، لم تتراجع الحتمية من الإراضة؛ بل تطوّر عدد من الأنظمة الحتمية للمساعدة في تفسير الأنماط المكانية، وغالبا ما جرى ضغطها في صيغ تِياسية. هناك متّسع كافٍ لتحليل كلّ من العوامل الطبيعية والثقافية، والقوانين الكمية، والتركيب الفنّي. لقد أُعيد تعريف الحتمية، وصُقلت، وخُضعت للمراجعة، وأُعيد توجيهها، ولكنّها لم تُزح بالكامل أبدا.

الاستنتاجات

للإجابة على السؤال: لماذا استمرّت الحتمية كمنهج علمي صالح للحياة بعد سنوات من النقد العلمي؟ يمكن القول إنّ الإجابة الأكثر بساطة هي أنّ البدائل التي قُدّمت لم تكن مرضية تماما. وعلى الرغم من وجود بدائل محتملة للحتمية في أشكال مثل البيئوية environmentalism، والعَسَوِيَّة possibilism، والاحتمالية probabilism، والبِياءة الثقافية cultural ecology، والعِمانة chorology، إلّا أنّ أبرزها كانتا العَسَوِيّة والاحتمالية، اللتين افترضتا أنّ البشر فاعلون أحرار يتّخذون خيارات من بين العوامل التي لا حصر لها والمتاحة في البيئة. 

ثانيا، استمرت المعتقدات المتّسقة مع الحتمية في أن تكون مقبولة على نطاق واسع كطرق مفهومة لتفسير العوامل المعقّدة والمتغيّرة التي كانت أساسا لظواهر اجتماعية وثقافية مختلفة. فعلى الرغم من أنّ العلم الحديث اعتبر الحتمية البيئية التقليدية تبسيطا مفرطا وغائية teleological وحتّى عنصرية، يجب أن تكون هناك أسباب دفعت الجمهور إلى قبول التفسيرات الحتمية للظواهر الاجتماعية المعقّدة.

ثالثا، ووفقا لكارتر carter, 1964، على الرغم من أنّ الإراضيين ابتعدوا عن البيئوية نحو نظرة أكثر توازنا، فإنّ مجالات المعرفة المتحالفة ما تزال في كثير من الأحيان تتّبع المسارات الحتمية التي حُدّدت قبل خمسين عاما. فعندما تشير مجالات مثل التاريخ والاقتصاد والعلوم السياسية، حتّى على مستوى التعليم الجامعي، إلى العوامل الإراضية، فإنّها غالبا ما تتبنّى وجهة نظر حتمية بيئية ريزيائية قوية؛ والإراضة لا يمكنها ببساطة أن تتجاهل ذلك.

ومن المثير للاهتمام أيضا أنّه أصبح من الواضح أنّ الحتميين كانوا متّفقين على نقطتين. أولا، لم يذكر أحد منهم أنّ البشر ليس لديهم القدرة على الاختيار من بين البدائل التي تقدّمها البيئة. وثانيا، لم يكن هناك أي جدل مهمّ حول عدم وجود عوامل أخرى مؤثّرة في تطوّر المجتمعات البشرية. وفي الواقع، لم يقترب أي تفسير في تاريخ الإراضة من مستوى الصرامة التي اتسمت بها الحتمية البيئية.

تعليق

✦ إنّ الانتقاد الموجّه إلى الحتمية الإراضية الكلاسيكية. يتمثّل في أنّها لم تفرّق بين عامل البيئة الثابت وعامل القدرة البشرية المتغيّر، وهذا ما يمثّل التحوّل الفكري من الرؤية الحتمية المبسّطة إلى فهم أكثر عمقا واحتراكية للعلاقة بين الإنسان ومحاطه. لقد قامت الحتمية على أساس إهمال هذا التمييز، وقد اعتبرت أنّ العوامل البيئية المادّية هي القوّة الوحيدة والحاسمة التي تحدّد مسار الحضارة. هذا المنظور فشل في الأخذ بالاعتبار أنّ العلاقة بين الإنسان والبيئة ليست علاقة خطية أو ثنائية جامدة بسيطة، بل هي شبكة معقّدة من التفاعلات التي تجمع بين الثابت الطبيعي والقدرة الإنسانية المتحوّلة.

• العامل الثابت الجبري : المَنول البيئي

هذا العامل يمثّل الإطار الريزيائي غير القابل للتغيير، مثل المناخ، والتضاريس، والموارد الطبيعية. فالإنسان لا يستطيع أن يخلق جبلا أو نهرا من العدم، وهذه المعطيات تفرض حدودا معيّنة على القدرة الاستيعابية للبيئة وتوفّر له مجموعة معيّنة من الخيارات والموارد الأساسية. يمكن اعتبار هذا العامل بمثابة خريطة الطريق التي تحدّد الإمكانات المتاحة؛

• العامل المتغيّر التاريخي: الوكالة البشرية والمعرفة

هذا هو العامل الذي يتجاهله الفكر الحتمي. إنّه لا يمثّل مجرّد التفاعل، بل يمثّل قدرة الإنسان على الاختيار، والتكيّف، بل والتحكّم في البيئة باستعمال أدواته المعرفية والصنعيائية. ففي العصور الأولى، كان الإنسان خاضعا بالكامل لهذا العامل الثابت، فكانت البيئة هي التي تحدّد نمط معيشته وهجرته. لكن مع تطوّر الوعي، والعلوم، والصنعياء، اكتسبت الوكالة البشرية human agency قوّة متزايدة. أصبح الإنسان قادرا على تحويل الصحراء إلى أرض خصبة، وبناء مدن في مناطق قطبية، وتغيير وجه العالم بأسره، بل الإنسان يستعدّ لاستعمار الفضاء في البيئات الخارضية، ممّا يجعل هذه القدرة عاملا متغيّرا في التاريخ.

إنّ هذا التمييز يؤدّي إلى استنتاج مفاده أنّ الحتمية كانت ترى أنّ العامل الأوّل هو الفاعل الوحيد، بينما العسوية ترى أنّ العامل الثاني يختار من بين ما يقدّمه العامل الأول. وبذلك، فإنّ التطور المستمرّ للعامل المتغيّر (قدرة الإنسان) هو الذي جعل الحتمية غير كافية لتفسير تعقيد العلاقة بين الإنسان والبيئة في العصر الحديث.

✦ العِمانة chorology، هو مصطلح إراضي يُعنى بدراسة المكان والظواهر المستوطنة فيه وتحليل العلاقات المتبادلة بين عناصر الطبيعة والبشر التي تشكّل الخصائص المميزة لهذا المكان. بمعنى آخر، هو علم يركّز على التوزيع المكاني للظواهر وعلاقاتها داخل المكان، وليس على الظاهرة بوحدتها المعزولة. أصول هذا المفهوم تعود إلى المدرسة الألمانية في الإراضة، لا سيما أعمال ريتر ورايتزل في القرن التاسع عشر، الذين سعوا للانتقال من دراسة الظواهر الفردية إلى فهم تفاعل الظواهر ضمن سياق مكاني محدّد. وجذر المصطلح اليوناني chōra يعني المكان أو الإقليم، وكلمة logos التي تعني العلم أو الدراسة، ما يوضّح الجوهر التحليلي للموضوع. المحور الأساسي الذي يميّز العِمانة، هو الاهتمام بكيفية استقرار الظواهر في المكان وتفاعلها لتشكيل شخصية المكان. فالمكان لا يُنظر إليه كفراغ سلبي، بل كإطار احتراكي تتفاعل فيه الطبيعة والثقافة والاقتصاد والمجتمع لتشكيل خصائصه الفريدة. وبذلك، تختلف العِمانة عن الإراضة الإقليمية، التي تركّز على وصف الإقليم كوحدة متكاملة من حيث حدوده ومظاهرها الطبيعية والبشرية، فهي أكثر تركيبا ووصفا، بينما تركّز العِمانة على العلاقات الداخلية بين الظواهر داخل المكان، أي دراسة كيفية تموضع الظواهر وتفاعلها لإنتاج خصائص مكانية محدّدة. بهذا المعنى، تشكّل العِمانة الأساس التحليلي والفلسفي لفهم المكان، بينما الإراضة الإقليمية تمثل الصورة التركيبية التطبيقية للإقليم.

تكمن أهمية العمانة في كونها توفر إطارا لفهم توزيع الموارد الطبيعية والبشرية، والتفاعل بين البيئة والثقافة، والخصائص المكانية للمدن والأقاليم والبيئات الطبيعية. كما تؤدّي دورا محوريا في التخطيط الحضري، وإدارة الموارد، ودراسة النظم البيئية، وتحليل التغيّرات المكانية الناتجة عن النشاط البشري أو التغيّرات المناخية. يمكن القول إن العِمانة تمثل الأساس المنهجي التحليلي الذي يمكّن الإراضي من فهم العلاقات المكانية، بينما تمثل الإراضة الإقليمية المستوى التركيبي التطبيقي الذي يترجم تلك العلاقات إلى صورة متكاملة عن إقليم بعينه. فالعِمانة تفسّر كيف تستقر الظاهرة في المكان، والجغرافيا الإقليمية تُظهر كيف يتكوّن المكان كوحدة قائمة بذاتها. ومع التقدّم العلمي، ما يزال جوهر العمانة حاضرا في تحليل المَنُول data المكاني الحديث باستعمال نظم المعلومات الإراضية (GIS) والنمذجة المكانية، إذ يواصل التركيز على فهم كيفية تفاعل الظواهر المكانية ضمن الإطار المكاني، وهو ما كان تهدف إليه العمانة منذ نشأتها الأولى.

باختصار، يشير مصطلح العِمانة إلى فرع من الإراضة يُعنى بدراسة المناطق أو الأقاليم. ويتركّز مفهومه حول فهم التمايز المكاني، أي الخصائص الفريدة التي تميّز منطقة إراضية معيّنة وكيفية تفاعل وتوزيع الظواهر المختلفة (طبيعية وبشرية) ضمنها. تختلف العمانة عن الإراضة المنهجية في تركيز الأولى، على كلّ الظواهر (المناخ، الاقتصاد، الثقافة، التضاريس) داخل منطقة معيّنة ومحدّدة؛ بينما تركّز الإراضة المنهجية على دراسة ظاهرة واحدة (مثل الزراعة أو المناخ) عبر جميع المناطق في العالم.

العِمانة، بوصفها مقابلا اصطلاحيا لمفهوم chorology، تستمد معناها من الجذر العربي عَمَن الذي يدل على الإقامة والاستقرار في المكان، ومنه قولهم: عَمَن بالمكان يَعْمَن أي أقام فيه واستوطن، وسُمّي عُمان البلد العربي المعروف لتوطّن سكّانه فيه. هذه الدلالة اللغوية تمنح المصطلح أصالة وارتباطا مباشرا بفكرة الثبات المكاني والاستقرار. أما في البعد الاصطلاحي، فإن العمانة تتمحور حول دراسة الظواهر الطبيعية والبشرية في علاقتها بالمكان، ليس من حيث وجودها المجرّد فقط، بل من حيث كونها متوطّنة فيه وتمنحه خصائصه الإراضية المميّزة. فالمناخ، والتضاريس، والحَلِيس (الغطاء النباتي)، والأنشطة الاقتصادية، والتوزيع السكاني، كلها عناصر تُقيم في الحيّز المكاني، وتتفاعل لتشكّل ما يُعرف بشخصيته أو هويته الإقليمية.

من هنا، يصبح مصطلح العِمانة أكثر من مجرّد تسمية؛ إنّه جسر يربط بين المعنى اللغوي للإقامة والثبات والاستقرار والتوطّن، والمعنى الاصطلاحي لدراسة ما يستقرّ في المكان من ظواهر. وهذا الربط يوضّح أنّ الغاية من العِمانة ليست رصد الظواهر بمعزل عن غيرها، بل فهم كيفية تموضعها وتفاعلها داخل الحيّز المكاني بما يحدّد طابعه الإراضي الفريد. وبذلك، يجمع المصطلح بين الدقّة العلمية والأصالة اللغوية، ويقدّم تسمية راسخة تشرح المفهوم بدلا من الاكتفاء بترجمته الحرفية.

لغة كلزية

determinism in geography
مراجع

  • Dr. Taruna Bansal : ebooks.inflibnet.ac.in/geop06/chapter/determinism-in-geography/