في الموجة الأولى من الاهتمام الاجتماعي بوسائل الإعلام الجماهيري، ساد منظور تشاؤمي عميق؛ إذ اتفق الكُتّاب من التيّارين اليميني واليساري على أنّ هذه الوسائل تُعزّز السلبية والخمول لدى الجمهور. وقد تكرّس هذا الافتراض في المنهجيات البحثية المستعملة آنذاك، إذ لم يكن ثمة اهتمام حقيقي بدراسة استجابات الجمهور أو تفاعلاته. لكن ظهر لاحقا ما يُعرف بتدفّق الاتصال على مرحلتين two-step flow of communication، وهو نموذج يعتمد على بحوث تجريبية أظهرت أنّ الأفراد يتأثّرون بالإعلام من خلال وسطاء أو قادة رأي ينقلون إليهم الرسائل الإعلامية ويعيدون تفسيرها. وفي إطار الاتجاه نفسه، نشأ منهج آخر عُرف باسم الاستعمالات والإشباعات، وهو يركّز على فكرة أن استهلاك الوسائط الإعلامية ليس فعلا سلبيا أو تلقائيا، بل هو فعل قصدي واعٍ، حتى في أبسط صوره كأن يستلقي الفرد أمام جهاز التلفاز، فهو يقوم بذلك نتيجة لاختيار واعٍ. هذا المنهج لا يسأل: ماذا تفعل الوسائط بالجمهور؟ بل ينقلب على هذا السؤال ليسأل: ماذا يفعل الجمهور بالوسائط؟، ليكشف أنّ دوافع الاستعمال قد تتنوّع بين البحث عن المعلومات، والرغبة في التسلية، وتكوين العلاقات الاجتماعية، وتعزيز الهُوّية الشخصية والاجتماعية. ويُعدّ هذا التوجّه من الأمثلة البارزة على ما يُسمى في علم الاجتماع المنهج التفاعلي interactionist approach، إذ يركّز على الفاعلية الذاتية agency لدى الأفراد، ويعترف بدورهم في انتقاء المحتوى الإعلامي الذي يلبّي حاجاتهم النفسية والاجتماعية والثقافية. وقد أسهم هذا النموذج في تطوير فهم أكثر احتراكية لعلاقة الإنسان بالإعلام، مشدّدا على أنّ المتلقّي ليس مجرد مستقبل سلبي للرسائل، بل هو مشارك فعّال في إنتاج معناها بحسب حاجاته وسياقه الشخصي.
- The Sage Dictionary of Sociology Steve Bruce and Steven Yearley. SAGE Publications, 2006. London