معجم المصطلحات الكبير
العَسَوِيَّة في الإِراضَة
الإراضة

لقد شكّلت العلاقة بين الإنسان والبيئة موضوع اهتمام متزايد لدى الإراضيين عبر تاريخ الإراضة. ويمكن القول إنّ فكرة الإراضة بوصفها دراسة العلاقة بين الإنسان والبيئة تمتدّ بجذورها إلى تاريخ طويل، وأدّت إلى جدل مستمرّ حول موقع الإنسان بالنسبة إلى الطبيعة. وتُعدّ الحَتْمِية determinism والعَسَوِيَّة possibilism فلسفتين متمايزتين ومتصارعتين في الإراضة، تركّزان على موقع الإنسان ودوره داخل الطبيعة. تحاول كلّ من هاتين العقيدتين تحديد موقع الإنسان ضمن إطار البيئة، وتطرحان السؤال حول ما إذا كان ينبغي النظر إلى الإنسان كعامل سلبي أو قوة فاعلة أثناء تفاعله مع البيئة. فالإنسان، في هذا التفاعل، لا يكتفي بالتكيّف مع البيئة، بل يحدث فيها تغييرات أيضا.

وفقا للمنظور الحتمي deterministic، تُسيطر البيئة على الأنشطة الإنسانية Lewthwaite, 1966. ويذهب أنصار هذا الاتّجاه إلى أنّ الإنسان ليس سوى قوّة سلبية أمام الطبيعة، إذ تحدّد الطبيعة أنشطته بشكل كامل، ولا يملك حرّية حقيقية في توجيه حياته. أمّا المنظور العسوي possibilistic فيرى أنّ العلاقة بين الإنسان والطبيعة ليست على هذا النحو، لأنّ البشر يمتلكون القدرة على الاختيار بين مجموعة من الاستجابات الممكنة للظروف الطبيعية.

الخلفية التاريخية

منذ العصور القديمة، شكّلت الحتمية determinism مفهوما أساسيا في تعريف العلاقة بين الإنسان والبيئة. فقد كان التصوّر السائد أنّ الإنسان نتاج الطبيعة، أو أنّ البيئة الطبيعية هي التي تصوغ الثقافة الإنسانية Glacken, 1967 وكان معظم العلماء الأوائل مثل أرسطو، وإراتوستينس، وسترابو، وهيبوقراط يتبنّون مقاربة حتمية. فعلى سبيل المثال، اعتقد أرسطو أنّ المناطق المناخية في العالم –الباردة، والمعتدلة، والحارّة– تحدّد قابلية الإنسان للسكن والمعيشة.

وفي العصور الوسطى، ناقش المفكر الفرنسي مونتسكيو في عمله روح القوانين (1748م) كيف تتحكم الظروف المناخية في انحطاط السمات الثقافية أو استمرارها. وقد هيمنت هذه الفلسفة أيضا على كتابات عدد من العلماء العرب، لاسيّما المسعودي، وابن بطوطة، وابن خلدون. أمّا في العصر الحديث المبكّر، فقد دافع كانط بشدّة عن الحتمية، كما تبنّى كارل ريتر –أحد الآباء المؤسسين للإراضة الحديثة– مقاربة متمركزة حول الإنسان، مدافعا عن الحتمية الإراضية. ثم جاء فريدريك راتزل (1844–1904م) ليطوّر ما سُمّي بالحتمية الجديدة، إذ أكّد أنّ الإنسان يحتل موقعا أعلى من الكائنات الأخرى، ومع ذلك ظلّ يعترف بأنّ الحتمية هي القوّة المهيمنة في تفسير العلاقة بين الإنسان والبيئة. وفي المجلد الثاني من كتابه الإراضة الإناسية، anthropogeographie قام بتحليل الأنشطة الاجتماعية –الاقتصادية والثقافة الإنسانية في علاقتها بالبيئة الطبيعية. وقد شكّل هذا المفهوم لاحقا مصدر إلهام للمفكّر فيدال دي لا بلاش Vidal de la Blache.

وإلى جانب الحتمية، أثّرت مفاهيم علمية أخرى في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين على عدد من الإراضيين في فرنسا، مثل: المنهج الاستنباطي deductive approach، ونظرية داروين في التطور، والعلاقات السببية عند نيوتن newtonian cause-and-effect. وأدّى ذلك إلى نشوء المدرسة الحديثة في فرنسا (مدرسة الفكر الإراضي الفرنسي)، التي استندت جذورها إلى فلسفة العسوية. وقد تبنّى هذا المنظور عدد من الإراضيين مثل فيدال دي لا بلاش، وغالوا Gallois، وبرونيس Brunhes، وديمانجون Demangeon، وإيمانويل دو مارتون Emmanuel De Martonne، وبلانشار Blanchard وغيرهم، إذ دافعوا عن نموذج العسوية. وهذه الفلسفة تقف في تضادّ مباشر مع الحتمية، إذ تضع الإنسان في المقام الأوّل، إذا لم تعد الأرض أو المناخ هو العامل الحاسم في قابلية الإنسان للسكن، وإنما يُنظر إلى الإنسان كعامل فاعل نشط وليس كقوة سلبية.

نُشوء العَسَوِيَّة

تسعى العسوية إلى تفسير العلاقة بين الإنسان والبيئة بطريقة مغايرة؛ إذ تضع الإنسان في مرتبة أعلى وتعتبره فاعلا نشطا. فهي مبدأ يقوم على أنّ البيئة توفّر فرصا، بينما الإنسان –بوصفه كائنا اقتصاديا– يختار من بين هذه الإمكانات. وقد صرّح لوسيان فيفر (Febvre, 1932) في كتابه مدخل إراضي إلى التاريخ قائلا: «لا وجود للضرورات، بل هناك إمكانات في كلّ مكان؛ والإنسان، بصفته سيّد هذه الإمكانات، هو الحَكَم في كيفية استعمالها».

تعود جذور العسوية إلى أعمال أفلاطون، الذي يُعتبر رائد الاستدلال الاستنباطي. غير أنّ فكرته خَبَت لقرون طويلة، فيما واصل المذهب المقابل، أي الحتمية، النمو والازدهار. وقد نالت الأخيرة دعما في كتابات المفكر الفرنسي في القرن الثامن عشر مونتسكيو، الذي يُعزى إليه تطوير مذهب مماثل للنموذج الحديث للعسوية؛ إذ رأى أنّ الإنسان يمتلك إرادة حرّة وقدرة على الاختيار بين سَتَلَة من الفرص. وطرح كونت دو بوفون Comte de Buffon، وهو فيلسوف فرنسي آخر في القرن نفسه، أفكارا مشابهة، إذ اعتقد أنّ الإنسان مأمور بأن يَغزو الأرض ويحوّلها. وقد وضعت آراؤهما الأساس لما يُسمى بالفرضية الاحتمالية المستترة crypto-possibilistic hypothesis (Adhikari, 2010)، وفي القرن التاسع عشر، حاول كلّ من جورج بيركنز مارش George Perkins Marsh وكيرشوف Kirchoff طرح مقاربة غير حتمية في الإراضة البشرية، فقد ركّزا على الإنسان ذاته. لكن في النصف الثاني من القرن نفسه، وتحت قيادة فيدال دو لا بلاش Vidal De la Blache, 1845–1918، تبلورت رؤية عسوية للعلاقة بين الإنسان والبيئة. وكانت الفكرة الجوهرية لهذا المذهب: «الطبيعة قد وضعت حدودا وهيأت إمكانات للاستيطان البشري، غير أنّ كيفية استجابة الإنسان لهذه الشروط أو تعديلها تعتمد على نمط حياته التقليدي».

لقد رفض فيدال مفهوم الحتمية المادية، ودافع عن مبدأ الملاءمة favourability. كما رفض رأي إميل دوركايم الذي اعتبر الإراضة البشرية مجرّد شكلياء اجتماعية social morphology، وأصرّ على أنّ الإنسان شريك للبيئة وليس عبدا لها Dikshit, 2009. وكان ناقدا للميراث الدارويني الراتزيلي الذي بشّر بالحتمية البيئية، فطرح بدلا منه مفهوم العسوية. وقد سعى إلى بناء نسق لفهم تفاعل الطبيعة والثقافة يتجاوز كلا من الحتمية البيئية والعسويّة الجِذْرانِيّة، في محاولة للإجابة عن إشكالية الثنائية بين الإنسان والبيئة.

لقد رفض فيدال دو لا بلاش Vidal de la Blache بشدّة الفكرة التي ترى أنّ المجتمع والطبيعة يقفان خصمين في مواجهة الإنسان-الطبيعة. فقد اعتبر أنّ الإنسان جزء من الطبيعة، بل هو أكثر شركائها فاعلية. ولحلّ هذه الثنائية ابتكر مفهوم genre de vie أي أسلوب الحياة، وهو يشمل جميع الأنشطة والممارسات والصِّنْعات التي تميّز تكيّف جماعة بشرية مع مَحاطها الطبيعي ووسطها البيئي Mercier, 2009، وأشار فيدال إلى أنّ الأسلوب الحياتي نفسه قد يتّخذ تفسيرات مختلفة لدى مجموعات بشرية متعدّدة. ومن ثمّ، شكّلت أعماله أساسا منهجيا وفلسفيا متينا لمذهب العَسَوِيَّة. وقد أسهم هذا التطوّر في إضعاف سطوة الحتمية الداروينية داخل التفكير الإراضي.

في القرن العشرين، ترسّخت العَسَوِيَّة أكثر بعد نشر دو لا بلاش مقاله سنة 1913م، إذ صرّح بشكل قاطع أنّ الإراضة كتخصّص يهدف إلى قياس دور الإنسان في تعديل سطح الأرض. وتعزّز هذا الموقف أكثر بصدور كتابه سنة 1921م (والذي تُرجم إلى الكلزية عام 1926) بعد وفاته. وفيه لاحظ أنّ الطبيعة تقدّم للإنسان موادّ خاما ذات حاجات وقيود مستترة، ما يجعل استعمالها محدودا.

وقد أسهم المؤرّخ البارز لوسيان فيفر Lucien Febvre, 1878–1956 في ازدهار العَسَوِيَّة، إذ أكّد أنّ «كلّ ما يفعله الناس في بيئتهم لا يمكن أن يحرّرهم تماما من ذواتهم». فقد ركّز فبفر على المبادرة الإنسانية والدافعية في مواجهة البيئة، مهدّما المنطق الحتمي البيئي. كما اعتبر أنّ الإنسان جزء من بيئة جماعته ومن ثقافة المجموعات البشرية الأخرى التي تشكّل بدورها جزءا من مَحاطه الثقافي، ممّا يعني أنّ قيود البيئة تتأثّر بهذا التفاعل الثقافي. وأوضح أنّ العَسويّين يرون أنّ الإقليم المتجانس لا يؤدّي بالضرورة إلى مجتمع متجانس، وذلك لأنّ الناس المقيمين في أي منطقة يملكون حرّية الاختيار بين إمكانات متعدّدة عبر الزمن وبالقدر الذي يرغبون فيه.

واتّبع جان برون Jean Bruhnes أفكار دو لا بلاش وارتقى بها خطوة إضافية؛ فهو لم يكتفِ بنقل فلسفته في فرنسا بل قام أيضا بنشرها إلى مناطق أخرى من العالم. وفي عام 1910م، صدر عمله الضخم إراضة التاريخ La Géographie de l’Histoire وقد ركّز فيه أساسا على واقع استغلال الإنسان للأرض. وعلّق قائلا: «إنّ القوّة المقصودة محدودة، إذ تواجه حدود الطبيعة التي لا يمكن تجاوزها. فالنشاط الإنساني قادر على التغيير ضمن هذه الحدود وفي إطار بيئته، لكنّه لا يستطيع الانفصال عن هذه البيئة، بل يمكنه تعديلها فقط، من دون أن يتخطّاها، وسيظلّ دوما مشروطا بها». كما أضاف: «إن الطبيعة ليست قهراً بل قبولا».

وترتبط فكرة الفَتالة futility أيضا بالمدرسة الإراضية الفرنسية؛ إذ رأى الإراضيون الفرنسيون أنّ البيئة الطبيعية توفّر سَتَلَة من الإمكانات للتطوّر البشري، لكنّهم جادلوا بأنّ التطوّر الفعلي يرتبط بثقافة الشعوب المعنيّة، لاسيما في البيئات القصوى مثل الصحارى أو التندرا.

الانتقادات

على الرغم من أنّ الإنسان يملك العديد من الإمكانات ضمن ظروف ريزيائية معيّنة، إلّا أنّه لا يستطيع أن يتجاوز القوانين التي تفرضها البيئة الطبيعية. وقد تعرّضت العَسَوِيَّة لانتقادات عدّة من طرف مفكّرين معاصرين. فغريفيث تايلور Griffith Taylor انتقد هذا التوجّه قائلا إنّ المجتمع هو الذي يختار بكليّته، ولمّا كانت الإراضة لا تؤدّي سوى دور استشاري واحد، فإنّ عملها لا يشكّل «خطّة تفسيرية» بالمعنى الدقيق. وكان تايلور محقّا إلى حدّ بعيد عندما كتب أنّ مَهَمّة الإراضة ليست دراسة جميع المشكلات المتّصلة بالبيئة الطبيعية والإنسان أو بالمشهد الثقافي cultural landscape علاوة على ذلك، فإنّ العَسَوِيَّة لا تشجّع على دراسة البيئة الريزيائية بحدّ ذاتها، بل تميل إلى تعزيز النزعة الإنسانية humanism داخل الإراضة.

أمّا الحتمية الإراضية، فهي تُرغم الإراضة –على الأقل– على تركيز الاهتمام بالطبيعة. وإذا طُرح السؤال: «من المسؤول عن تدمير الإراضة؟»، فإنّ أصابع الاتهام يجب أن تتوجّه نحو العسويين possibilities، فثمّة نوع من الاختلال، يتمثّل في المبالغة في دور الثقافة وتجاهل أهمّية البيئة الطبيعية. وبالجوهر، يمكن أن تكون العَسَوِيَّة في إهمالها مماثلة للحتمية، إلّا أنّ ميزتها تكمن في إقرارها بالدور الذي تنهض به البيئة لتجنّب التعميمات الكبرى التي ميّزت خصومها الحتميين.

حياد العَسَوِيَّة

هناك استتباعات منطقية لهذه التفرقة. أولا، يبدو واضحا أنّ العَسَوِيَّة –بعيدا عن أيّ ميول نفسية– لا ترتبط فعليا بالمشكلة الفلسفية الخاصّة بالحتمية والحرّية. فإذا أخذنا البيئة وحدها بالاعتبار، قد يكون صحيحا، كما أصرّ برون Brunhes، أنّه «لا وجود للضرورات بل هناك إمكانات في كل مكان». لكن هذا لا يحلّ السؤال الجوهري: لماذا يُختار احتمال معيّن من دون غيره؟ ما لم يتتبّع الإراضي سلسلة السببية إلى الوراء عبر المكان والزمان ليصل إلى أعماقها النفسية أو الغيبيائية (وكم من الإراضيين يفعل ذلك؟)، فإنّ إشكالية الحرّية والضرورة ستظلّ بلا حلّ.

كما أنّ الحتميّات الخاصّة الأخرى لا تُستبعد بالضرورة؛ فكلّ ما تقوم به العَسَوِيَّة أو يمكن أنّ تقوم به هو تأكيد أنّ النشاط الإنساني، سواء أكان حرّا أم محكوما، لا تحدّده وحده الظروف الإراضية. هذا النفي يفتح الباب واسعا أمام أشكال أخرى من الحتميات. فقد يتّفق الإراضيون مع تاثام Tatham حين قال إنّ قرار الدنماركيين الانتقال من زراعة القمح إلى إنتاج الألبان كان خيارا مقصودا أكثر منه نتيجة إكراه بيئي. لكن يبقى السؤال من دون جواب: هل كان هذا الخيار حرّا بالفعل، أم أنّه كان محكوما بعوامل أخرى –نفسية أو سياسية أو اقتصادية؟

في الواقع، فإنّ الشكل الوحيد من الحتمية الذي يتعارض مع العَسَوِيَّة هو الحتمية الإراضية. أمّا سائر الحتميّات الخاصّة والمبدأ الكلّي للضرورة فالمجال مفتوح أمامها. وقد أدّى إدراك هذه الحقيقة بلات Platt، الذي كان يدافع عن واقعية الاختيار البشري، إلى الشكوى من أنّ «الحتمية المركّبة قد تستمرّ كدليل زائف في الإراضة حتّى بعد طرد النزعة البيئية منها». وعلى العكس، من المشكوك فيه أن يكون العديد من الفلاسفة الحتميين قد تعاطفوا مع حلفائهم المفترضين في الإراضة. ففرويد مثلا كان حتميا بوجه عام، لكن ليس بالمعنى الإراضي، في حين أنّ الشيوعيين، الملتزمين بالحتمية الاقتصادية وبقوة التحوّل الثوري الاجتماعي، رفضوا أيّ نظرية تزعم أنّ الرؤية الماركسية قد تُحبط بفيتو بيئي. وهنا، كانت العَسَوِيَّة هي المذهب المفضّل لمثل هؤلاء الحتميين.

تعليق

كلمة futility في الكلزية تعني: عدم الجدوى، العبث، العقم، عدم الفاعلية. أي أنّ الجهد المبذول لا يؤدّي إلى نتيجة حقيقية. وجاءت ترجمتها بالفَتالة، اشتقاقا من الفتيل، وهو الخيط في شق النواة، يمثّل به للتافه الحقير، أي للشي الذي لا نفع فيه ولا جدوى منه.

لغة كلزية

possibilism in geography
مراجع

  • Dr. Taruna Bansal : ebooks.inflibnet.ac.in/geop06/chapter/possibilism-in-geography/
  • Adhikari, S. (2010) Fundamentals of Geographical Thought, Chaitanya Publishing House, Allahabad
  • Dikshit, R. D (2011) Geographical Thought: A Contextual History of Ideas, PHI Learning Private Ltd, New Delhi
  • Martin, G. F and James, P. E. (1972) All Possible Worlds: A History of Geographical Ideas, John Wiley and Sons, New York